logo
العالم

بنغلاديش الجديدة في فلك بكين.. تحوّل براغماتي أم اصطفاف جيوسياسي؟

الرئيس الصيني ورئيس وزراء بنغلاديش المؤقتالمصدر: صحيفة تشاينا ديلي

تشهد  بنغلاديش تحوّلًا نوعيًا في سياستها الخارجية مع انحسار النفوذ الهندي، وصعود الدور الصيني بشكل متسارع؛ فمع اقتراب انتهاء معاهدة تقاسم مياه الجانج مع الهند عام 2026، تصاعدت المظاهرات المطالبة بـ"حصة عادلة" لبنغلاديش من مياه مشروع نهر تيستا الذي تموله بكين.

وبحسب صحيفة "يوراسيا ريفيو"، جاءت هذه المطالب الشعبية في سياق توتر العلاقات مع نيودلهي، وتراجع الثقة في التعاون الثنائي، ما مهّد الطريق لعودة الصين إلى الساحة البنغلاديشية كوسيط تنموي وشريك سياسي بديل.

وبحسب الصحيفة، فقد انتهى إرث حكومة الشيخة حسينة، الذي ركّز على دبلوماسية التوازن بين الهند والصين، فعليًا مع سقوطها في أغسطس 2024.

ومنذ تعيين محمد يونس مستشارًا للحكومة المؤقتة، برزت بكين كوجهة أولى في أجندة السياسة الخارجية؛ ففي زيارته لبكين في مارس 2025، التي صادفت الذكرى الخمسين للعلاقات الدبلوماسية، حصلت دكا على حزمة استثمارات ومنح صينية بقيمة 2.1 مليار دولار، لترتفع الاستثمارات الصينية الإجمالية في البلاد إلى 42 مليار دولار. 

أخبار ذات علاقة

رئيسة وزراء بنغلاديش السابقة الشيخة حسينة

بعد منع حزبها في بنغلاديش.. الشيخة حسينة تحذر من مقاطعة واسعة للانتخابات

وطالب يونس بخفض الفوائد على القروض الصينية، وتسهيل نقل الصناعات التحويلية إلى بلاده، في خطوة تهدف لتقليل الاعتماد على الهند، وتعزيز التحول الاقتصادي المحلي.

جاء الرد الصيني سريعًا وحاسمًا، إذ استقبل الرئيس شي جين بينغ المسؤول البنغلاديشي في قاعة الشعب الكبرى ببكين، في خطوة رمزية عكست اهتمامًا خاصًا بالعلاقات الثنائية. 

وأعادت بكين تنشيط قنوات تواصلها مع مختلف القوى البنغلاديشية، بما في ذلك أحزاب ذات توجهات إسلامية مثل جماعة الإسلام المعروفة بمواقفها المناوئة للهند. 

وأسهمت الزيارات المتبادلة والاحتفالات الرسمية المتكررة في تعزيز صورة الصين داخل بنغلاديش كقوة صديقة تحترم السيادة الوطنية، ولا تتدخل في الشؤون الداخلية، على عكس الانطباع السائد تجاه الهند.

ركائز التغلغل الصيني في بنغلاديش

نجحت الصين في تعزيز نفوذها داخل بنغلاديش من خلال إستراتيجية متعددة الأبعاد تعتمد على الاستثمارات الضخمة والمشاريع التنموية الكبرى.

فمنذ انضمام دكا إلى مبادرة "الحزام والطريق"، العام 2016، أسهمت الشركات الصينية في إنشاء 12 طريقًا و21 جسرًا و27 محطة طاقة، إلى جانب تطوير أجزاء من ميناءي شيتاغونغ ومونغلا، وبناء جسر بادما الذي زاد الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 1.2%. 

أخبار ذات علاقة

صاروخ سيبر بلوك-2

تركيا على الخط.. أنظمة دفاع جوي لبنغلاديش تُحوّل المعادلات الإقليمية جنوب آسيا

كما حفّزت بكين مستثمريها على ضخ 2.1 مليار دولار في "المنطقة الاقتصادية الصناعية الصينية" شمال دكا، بينما تخطط الحكومة البنغلاديشية لإطلاق منطقتين إضافيتين مخصصتين حصريًا للشركات الصينية.

على الصعيد الاقتصادي، تفوقت الصين على الهند، منذ الاعام 2006، لتصبح الشريك التجاري الأكبر لبنغلاديش. ففي العام المالي 2024–2025، سجلت واردات بنغلاديش من الصين ارتفاعًا بنسبة 25%، في حين قفزت صادراتها إليها بنسبة 44%. كما منحت بكين دكا إعفاءات جمركية على 99% من صادراتها حتى عام 2028، رغم قرب فقدانها وضع "الدولة الأقل نموًا".

لا يقتصر النفوذ الصيني على الجانب الاقتصادي فحسب، بل يمتد إلى المجال الدفاعي، إذ تعد الصين المورد الأكبر للأسلحة إلى بنغلاديش، إذ زودتها، خلال السنوات الخمس الماضية، بـ72% من معداتها العسكرية، بما في ذلك غواصتان، وقاذفات صواريخ، ومقاتلات J-10C. 

كما قامت بكين ببناء قاعدة الغواصات "بي إن إس الشيخة حسينة" العام 2023، وهو تطور يثير قلقًا كبيرًا لدى الهند والولايات المتحدة اللتين تراقبان بانتظام التوسع الصيني في خليج البنغال.

إلى جانب الاقتصاد والدفاع، تعمل الصين أيضًا على توسيع حضورها الثقافي واللغوي في المجتمع البنغلاديشي؛ فهناك مركزان كونفوشيوسيان في البلاد، وتسعى الحكومة إلى إنشاء مزيد من المراكز لتعليم اللغة الصينية. 

ويُنظر إلى هذه الجهود كجزء من إستراتيجية القوة الناعمة الصينية التي ترافق تمددها الاقتصادي.

علاقات معقّدة وتوازن هش

تمثل بنغلاديش، اليوم، محورًا جيوسياسيًا بالغ الأهمية للصين في جنوب آسيا، إذ تتيح لبكين منفذًا استراتيجيًا إلى خليج البنغال وممرًا محتملًا إلى المقاطعات الغربية غير الساحلية في الصين. 

غير أن هذا التوجه يضع دكا في مواجهة مباشرة مع حساسية الهند التي تعتبر النفوذ الصيني في جوارها تهديدًا لأمنها القومي.

أخبار ذات علاقة

هل تعود الشيخة حسينة إلى بنغلاديش؟

حرّكت الشارع.. هل تعود الشيخة حسينة إلى بنغلاديش؟ (فيديو إرم)

تاريخيًا، شكّلت الهند "الصديق الضروري" لبنغلاديش نظرًا للحدود الطويلة والروابط الثقافية، إضافة إلى الاعتماد المتبادل في مجالات الطاقة والتجارة والمياه.

إلا أن سياسة الحكومة البنغلاديشية الحالية تميل بوضوح نحو الصين، خاصة بعد حصولها على تمويل صيني ضخم لمشروع تيستا المائي بقيمة 47.6 مليار روبية هندية، ما اعتبرته نيودلهي تجاوزًا لخطوطها الحمراء.

ورغم أن القيادة الحالية ترفع شعار "التواصل مع الجميع"، فإن الواقع يشير إلى انزياح إستراتيجي نحو الصين. وتتحول بنغلاديش تدريجيًا من دبلوماسية التوازن إلى اصطفافٍ أكثر وضوحًا مع الصين، مستندة إلى مصالح اقتصادية وتنموية قصيرة المدى، لكنها تواجه معضلة الحفاظ على استقلالها الإستراتيجي وسط تنافس القوى الكبرى. 

ويبقى التحدي الأكبر أمام دكا هو تجنب الانجراف الكامل إلى فلك بكين، مع استمرار التوترات مع نيودلهي، وتزايد اهتمام واشنطن وطوكيو في المنطقة.

logo
تابعونا على
جميع الحقوق محفوظة © 2026 شركة إرم ميديا - Erem Media FZ LLC