تحول اعتقال مكتب التحقيقات الفيدرالي لتاجر المخدرات الكندي رايان ويدينغ، المدرج على قائمة أخطر المطلوبين لدى الولايات المتحدة، سريعًا إلى قضية سيادية حساسة فجّرت خلافًا علنيًا بين واشنطن ومكسيكو سيتي، حول طبيعة الدور الأمريكي داخل الأراضي المكسيكية؛ ما أثار تساؤلات حول ما إذا كانت هذه العملية نفذت دون إذن رسمي من مكسيكو سيتي.
الرواية الأمريكية التي تحدث فيها مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي كاش باتيل، عن مشاركة وحدة من قوات النخبة في العملية، أوحت بأن الاعتقال جاء نتيجة تنفيذ ميداني مباشر من جانب عناصر الـ"إف بي آي" بالتنسيق مع شركاء مكسيكيين.
غير أن هذه السردية اصطدمت مباشرة بموقف الرئاسة المكسيكية؛ إذ حاولت الرئيسة المكسيكية كلوديا شينباوم تهدئة الوضع المتوتر خلال مؤتمرها الصحفي الصباحي يوم الثلاثاء، وشككت في رواية باتيل للأحداث.
وأشارت إلى عدم وجود أي مشاركة أمريكية في العملية، وأن صلاحيات العملاء الأمريكيين في المكسيك تخضع لقيود واضحة يحددها القانون، بحسب "وول ستريت جورنال".
ويرى المحللون أن هذا التناقض عكس خلافًا جوهريًا حول معنى "التنسيق الأمني" وحدوده؛ فبينما تصرُّ واشنطن على أن العملية تمت ضمن تعاون مشترك، تؤكد مكسيكو سيتي أن أي وجود ميداني مباشر لوكلاء أجانب في البلاد، يُعد تجاوزًا قانونيًا غير مقبول، خصوصًا في ظل حساسية الرأي العام تجاه مسألة السيادة الوطنية.
من جانبه، كشف مسؤول أمريكي أن مشاركة مكتب التحقيقات الفيدرالي "إف بي آي" في عملية 22 يناير/ كانون الثاني، كان من المفترض أن تبقى سرًا محكمًا؛ نظرًا لأن القوانين المكسيكية تحظر وجود عملاء أجانب فعليًا في عمليات إنفاذ القانون على أراضيها، أو مشاركتهم في عمليات الاعتقال أو المداهمات، خصوصًا أن الحزب القومي الحاكم في المكسيك يُعرف عنه حساسيته الشديدة تجاه أي تدخل أجنبي.
القضية ازدادت تعقيدًا مع تصريحات محامي ويدينغ، الذي نفى بشكل قاطع فكرة "الاستسلام الطوعي"، مؤكدًا أن موكله أُوقف بالقوة وبمشاركة عناصر أمريكية، ما وضع الرواية المكسيكية الرسمية تحت ضغط إضافي، وفتح الباب أمام تساؤلات حول ما إذا كانت الحكومة تحاول احتواء تداعيات سياسية داخلية أكثر من تقديم رواية دقيقة لما جرى.
وأضاف المحامي للصحفيين خارج المحكمة: "إذا قامت الحكومة الأمريكية من جانب واحد، بالدخول إلى دولة ذات سيادة واعتقال شخص ما، فيمكنكم أن تتفهموا القلق الذي قد ينتاب تلك الدولة ذات السيادة".
ويأتي هذا الجدل في لحظة توتر قائم فعلًا بين البلدين، وسط ضغوط أمريكية متزايدة على مكسيكو سيتي في ملفات المخدرات والهجرة والأمن الحدودي، وهو ما جعل من اعتقال ويدينغ اختبارًا حقيقيًا لحدود النفوذ الأمريكي داخل المكسيك، ولقدرة الحكومة المكسيكية على الموازنة بين التعاون الأمني والحفاظ على مبدأ السيادة.
وأكد مسؤولون مكسيكيون وأمريكيون أن "إف بي آي" تعمل على تحديد مزيد من الأهداف في جميع أنحاء المكسيك، بهدف تنفيذ عمليات مشتركة مع القوات المكسيكية ضد كبار أهداف تهريب المخدرات، ما أشار بدوره إلى أن ترامب يمارس بالفعل ضغوطًا على المكسيك للسماح لواشنطن باستهداف عصابات المخدرات في البلاد.