logo
العالم

بعد نهاية المهلة.. لبنان عالق بين سلاح مؤجّل وضغط متصاعد

موقع غارة إسرائيلية على جنوب لبنانالمصدر: رويترز

مع بداية العام الجديد، عاد الجنوب اللبناني إلى واجهة التصعيد الميداني، فخلال أقل من أربعٍ وعشرين ساعة، نفّذ الجيش الإسرائيلي عمليات تفجير طالت ثلاثة منازل في القرى الحدودية، فيما كانت المهلة غير المعلنة المرتبطة بملف سلاح حزب الله قد انتهت من دون أي تغيير عملي على الأرض.

التزامن بين الحدثين، ومعه رفع مستوى الجهوزية العسكرية على الجبهة الشمالية، أعاد طرح سؤال إدارة المواجهة في هذه المرحلة، بعيدًا عن سرديات الحرب الشاملة أو التسوية القريبة.

واشنطن تُراكم الضغط

مصادر دبلوماسية أمريكية مطّلعة أفادت لـ"إرم نيوز" أن واشنطن انتقلت إلى مقاربة تقوم على مراقبة السلوك الميداني وتراكم الضغط، من دون ربط المرحلة الراهنة بأفق تفاوضي محدد.

أخبار ذات علاقة

أحد الصواريخ التي يملكها حزب الله (فجر 5)

النوع بدل الكم.. حزب الله يعيد النظر في ترسانته وإسرائيل تتحضر لجولة جديدة

وتضيف المصادر أن التركيز الحالي ينصبّ على كيفية تأثير الخطوات الميدانية المحدودة على ميزان المخاطر، موضحةً أن الإدارة الأمريكية تتعامل مع الأسابيع المقبلة كاختبار لقدرة الأطراف على تحمّل ضغط متواصل.

هذا الإطار يفسّر طبيعة التصعيد الإسرائيلي الأخير، فالتفجيرات المحدودة تأتي ضمن سلسلة خطوات قابلة للتكرار، والهدف العملي منها إبقاء الجنوب في حالة توتر دائم، من دون كلفة حرب مفتوحة، مع الحفاظ على هامش تحرك يسمح بتعديل الوتيرة تبعًا للردود. في المقابل، رفعت إسرائيل مستوى الاستعداد العسكري، في رسالة مزدوجة تتعلق بالجاهزية والقدرة على توسيع نطاق العمل إذا اقتضت الحسابات.

كذلك أضافت المصادر الأمريكية أن الرهان في هذه المرحلة على تراكم وقائع ميدانية تغيّر حسابات المخاطر، لافتةً إلى أن استمرار الوضع القائم بات يُعتبر في واشنطن كعامل يسهّل انفجارًا غير مضبوط في أي لحظة.

وتابعت أن إدارة الوقت لم تعد خيارًا مقبولًا إلى ما لا نهاية، مشيرةً إلى أن طلب تأجيل بحث سحب السلاح، من دون أي إطار زمني أو مؤسسي، يُنظر إليه كجزء من المشكلة لا كآلية لاحتوائها.

القوة البشرية لحزب الله

وأوضحت المصادر أن الولايات المتحدة لا تدفع نحو حرب شاملة، لكنها في المقابل قد لا تعارض إجراءات تُستخدم للضغط وتعديل قواعد الاشتباك تدريجيًا، معتبرةً أن غياب الردع المؤسسي داخل لبنان يفتح الباب أمام هذا النوع من المقاربات.

أخبار ذات علاقة

دبابات إسرائيلية قرب الحدود اللبنانية

مع نهاية مهلة سلاح حزب الله.. هل تدشن إسرائيل 2026 بحرب مفتوحة جنوب لبنان؟

 

سياسة التأجيل وحدود الدولة

في الداخل اللبناني، كان حزب الله قد طرح، على لسان أمينه العام نعيم قاسم، مسألة تأجيل البحث في سحب السلاح، من دون تقديم أي التزام زمني أو سياسي واضح، هذا الطرح لم يخرج عن السياق التقليدي لإدارة الملف عبر كسب الوقت.

طرح التأجيل، كما يُقرأ في الأوساط السياسية اللبنانية، لا يعالج جوهر الإشكالية، بل يمدّدها، فالتعامل مع سلاح خارج سلطة الدولة بوصفه ملفًا مؤجلًا، في لحظة يتصاعد فيها الضغط الميداني والدولي، يترك الجنوب اللبناني عرضة لمعادلة استنزاف مفتوحة، من دون أي أفق واضح للخروج منها.

مصدر سياسي لبناني بارز يصف المرحلة بأنها مرحلة إدارة أزمة طويلة، ويقول في حديث خاص لـ"إرم نيوز" إن الدولة اللبنانية تجد نفسها أمام مطالب لا تملك أدوات تنفيذها، في وقت تتحول فيه الهدنة إلى حالة قابلة للخرق المتكرر. 

وقال إن الدولة اللبنانية دخلت عمليًا مرحلة إدارة التداعيات، مشيرًا إلى أن كل ما طُلب من الحكومة خلال الأشهر الماضية كان منع الانفجار، وليس إنتاج تسوية شاملة.

أخبار ذات علاقة

إحدى المنازل التي تفقدها الجيش اللبناني

الجيش اللبناني ينفذ عمليات كشف على منازل في جنوب لبنان

ضغوط دولية من دون التزامات

وتابع المصدر أن "الضغوط الدولية، وخصوصًا الأمريكية، لم تُطرح في شكل خريطة طريق واضحة، وإنما جاءت على هيئة مطالب عامة لا تراعي الواقع الأمني والسياسي القائم"، لافتًا إلى أن "لبنان لم يحصل في المقابل على أي ضمانات تتعلق بسلوك إسرائيل أو بآليات تثبيت الهدنة".

وأوضح أن "التصعيد الإسرائيلي الأخير يُقرأ في بيروت كرسالة ضغط تدريجية، دون أن يكون تمهيدًا لحرب فورية"، معتبرًا أن إسرائيل تختبر حاليًا قدرة الأطراف اللبنانية على تحمّل مستوى منخفض، ولكنه مستمر من التوتر، من دون أن تتحمل هي كلفة مواجهة واسعة.

من زاوية واشنطن، لا يُنظر إلى هذا الوضع باعتباره فشلًا للدولة اللبنانية بقدر ما يُقرأ كواقع قائم، المصدر الدبلوماسي الأمريكي نفسه يشير إلى أن الدعم الدولي للبنان سيبقى مرتبطًا بقدرة مؤسساته على إدارة التداعيات، لا على فرض حلول غير قابلة للتطبيق، مؤكدًا أن الخيارات المطروحة حاليًا "لا تتضمن مبادرات كبرى، بل إجراءات تقيّم نتائجها مع مرور الوقت القريب".

في المحصلة، لا يقف لبنان اليوم أمام مفترق حرب أو سلام بالمعنى التقليدي، فما يواجهه هو مسار ضغط متواصل، بلا سقف زمني واضح، تُدار فيه المواجهة عبر خطوات صغيرة ذات أثر تراكمي، لتتحول القدرة على الاحتمال إلى عامل حاسم في تحديد اتجاه المرحلة المقبلة، سواء انتهت بتغيير في قواعد الاشتباك أو بانفجار يتجاوز الحسابات الراهنة.

أخبار ذات علاقة

غارات سابقة على جنوب لبنان

سلسة غارات إسرائيلية تستهدف ميدان تدريب لقوة الرضوان جنوبي لبنان (فيديو)

 

ضغط متدرج

من جهته قال الباحث السياسي اللبناني، سليم ناصر، خلال حديثه لـ"إرم نيوز" إن ما يجري في جنوب لبنان حاليًا يأتي كنمط جديد من إدارة الصراع، حيث تُستخدم العمليات المحدودة كوسيلة لإعادة ضبط البيئة السياسية المحيطة بالسلاح.

وأضاف ناصر  أن الضغط الحالي يهدف إلى نقل كلفة الصراع من المستوى العسكري إلى المستوى السياسي والاجتماعي، معتبرًا أن إبقاء الجنوب في حالة توتر منخفض لكن دائم يراكم أعباء داخلية، ويعيد طرح سؤال الاستقرار كمسألة داخلية لبنانية قبل أن تكون صراعًا مع إسرائيل.

وتابع أن الأخطر في هذه المرحلة هو تطبيع هذا النوع من اللااستقرار، موضحًا أن "اعتياد الخروقات المحدودة يضعف فكرة الهدنة نفسها، ويحوّلها من إطار حماية إلى مساحة اختبار مفتوحة"، محذرًا من أن هذا المسار قد يستمر طويلًا لأنه لا يفرض على أي طرف اتخاذ قرار حاسم.

المقاربة الأمريكية بعد انتهاء المهلة

بدوره رأى جون ماثيوز، الخبير الأمريكي المتخصص في السياسات الخارجية وإدارة الأزمات، أن واشنطن تتعامل مع الملف اللبناني خلال المرحلة الحالية من زاوية إدارة المخاطر وليس صناعة الحلول، معتبرًا أن انتهاء المهلة حرّر السياسة الأمريكية من ضغط البحث عن نتائج سريعة، وفتح الباب أمام مقاربة أكثر براغماتية تقوم على مراقبة التوازنات.

وقال ماثيوز لـ"إرم نيوز"، إن الولايات المتحدة لا ترى في التصعيد المحدود فشلًا، بل أداة لضبط الإيقاع ومنع الانفجار الكبير، مضيفًا أن هذا النوع من الضغط يسمح بإبقاء جميع الخيارات مفتوحة، من دون التورط في التزامات سياسية أو عسكرية واسعة.

وأشار إلى أن "الملف اللبناني بات جزءًا من إدارة أزمات متعددة في الإقليم"، موضحًا أن واشنطن تفضّل مسارًا بطيئًا وقابلًا للتعديل على أي مبادرة كبرى قد تنهار عند أول اختبار ميداني.

أخبار ذات علاقة

حزب الله

بعد انتهاء "مهلة حزب الله".. مشهد ضبابي في لبنان وسط سيناريوهات مفتوحة

logo
تابعونا على
جميع الحقوق محفوظة © 2025 شركة إرم ميديا - Erem Media FZ LLC