مع اقتراب بنغلاديش من انتخابات وطنية حاسمة في فبراير/شباط المقبل، تشتعل الساحة السياسية بتطورات غير مسبوقة، بعد صدور حكم بالإعدام غيابيًا على رئيسة الوزراء السابقة الشيخة حسينة، بتهم تتعلق بارتكاب جرائم ضد الإنسانية خلال حملة القمع الدامية ضد المتظاهرين في 2024.
وبينما ترى عائلات الضحايا في الحكم خطوة نحو العدالة، يخشى مراقبون من أن يتحول إلى وقود يشعل العنف السياسي ويُفاقم الانقسامات الداخلية، بحسب مجلة "فورين بوليسي".
يأتي الحكم الصادر عن المحكمة الجنائية الدولية في دكا في لحظة حرجة، إذ تواجه البلاد ضغوطًا اقتصادية، وغضبًا اجتماعيًا، وفترة انتقالية معقدة تحت إدارة حكومة مؤقتة.
ومن شأن هذا التطور أن يعيد تشكيل موازين القوى، ويدفع البلاد إلى مسار انتخابي محفوف بالمخاطر.
حزب رابطة عوامي تحت الضغط
رفضت حسينة، التي تعيش في المنفى في الهند منذ أغسطس/آب 2024، الحكم ووصفته بأنه ذو دوافع سياسية. وتتهم الحكومة المؤقتة بتسييس المحكمة التي أسستها حكومتها سابقًا للتحقيق في جرائم حرب 1971.
وبينما تبرر الحكومة المؤقتة خطوتها بأنها تصحيح لمسار العدالة، يرى قادة رابطة عوامي أنها عملية “تصفية حسابات” تستهدف تحجيم الحزب وإقصاءه قبيل الانتخابات.
شهدت الأيام التي سبقت الحكم تزايدًا في الهجمات التخريبية، خصوصًا في العاصمة دكا، مع تسجيل عشرات من عمليات الحرق العمد.
ويتوقع خبراء أن يتفاقم العنف بعد الحكم، خصوصًا مع تصاعد لهجة التهديد من قادة الحزب المنفيين، فقد حذّر سجيب واجد، نجل حسينة، من أن حزب رابطة عوامي “سيمنع الانتخابات” إن لم تُرفع القيود المفروضة على نشاطه السياسي.
ورغم عدم حظر الحزب رسميًا، فقد جرى تجميد نشاطه بشكل فعلي، وفرّ كبار قادته إلى الخارج أو اختبأوا داخل البلاد. كما أزيلت صور الشيخ مجيب الرحمن، والد حسينة ومؤسس الدولة، من المؤسسات العامة، في خطوة رمزية تعكس الرغبة في طيّ صفحة الحزب بالكامل.
تزداد خطورة المشهد مع تدني معنويات الشرطة بعد الانتقادات الحادة لدورها في قمع احتجاجات 2024، ما يثير تساؤلات حول قدرة أجهزة الأمن على السيطرة على موجات العنف المحتملة.
كما تراجع تأثير الجيش سياسيًا، ما يعني أن تدخله المباشر لفرض الاستقرار بات أقل ترجيحًا مقارنة بالسنوات الماضية.
اختبار للديمقراطية وقدرة الدولة على الصمود
تترقب بنغلاديش انتخابات فبراير بوصفها فرصة لإعادة بناء الثقة السياسية بعد سنوات من الاستقطاب.
ويأمل كثيرون بأن تكون أول انتخابات حرة ونزيهة منذ عام 2008، لكن الحكم على حسينة قد يعيد البلاد إلى دائرة العنف السياسي التقليدي في جنوب آسيا، حيث تصبح الحملات الانتخابية مسرحًا لمواجهات دامية.
يتصاعد القلق الشعبي في ظل أزمة اقتصادية وارتفاع الأسعار وضعف الخدمات. وعلى الحكومة المؤقتة بقيادة محمد يونس، الحائز على جائزة نوبل، أن تعمل على ضمان بيئة انتخابية مستقرة، خصوصًا أن أي انفلات أمني قد يقوّض شرعيتها ويضع إرثها على المحك.
ويُضاف إلى هذا المشهد العامل الإقليمي، إذ تعيش حسينة في الهند، ما يضع نيودلهي في موقف حساس.
فرغم وجود اتفاقية تسليم بين البلدين، من المستبعد أن تسلمها الهند، وهو ما ينذر بتوترات دبلوماسية مستقبلية، خصوصًا إذا طالبت الحكومة المنتخبة بتسليمها رسميًا.
وقد يجد صناع القرار في الهند أنفسهم أمام خيار سياسي صعب؛ الاستمرار في استضافتها، أو تسهيل خروجها إلى دولة ثالثة، مثل بيلاروسيا أو إحدى الدول الأخرى.
في النهاية، يقف مستقبل بنغلاديش على مفترق طرق. فبين حكم إعدام يثير الانقسام، وحزب سياسي يشعر بالاستهداف، وحكومة مؤقتة تتعرض لضغط شعبي متزايد، تبدو البلاد مقبلة على مرحلة انتخابية حساسة.
وقد يمنح النجاح في اجتيازها بسلاسة، بنغلاديش فرصة لإعادة بناء المشهد السياسي، أما الفشل فقد يعيدها إلى دوامة الاضطراب والعنف.