حذّرت صحيفة "التايمز" البريطانية، من أن الأزمة السياسية التي يعيشها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لم تعد شأنا داخليا فرنسيا، بل تحولت إلى خطر يهدد تماسك أوروبا واستقرارها.
وبحسب الصحيفة، ينذر التدهور في العلاقات بين باريس وبرلين، اللتين شكّلتا لعقود محور التكامل الأوروبي، بانقسام قد يعيد القارة إلى حالة من الارتباك السياسي والاقتصادي غير المسبوق.
وترى "التايمز" أن ماكرون، الذي فقد الأسبوع الماضي سادس رئيس وزراء له خلال ثلاث سنوات ونصف، يعيش حالة من "الشلل السياسي" بعدما عجز عن تشكيل ائتلافات قوية تتيح له تنفيذ إصلاحاته الداخلية وممارسة دور قيادي على الساحة الأوروبية.
وعكست إعادة تعيينه لرئيس الوزراء نفسه بعد أيام من استقالته ارتباكاً سياسياً يذكّر بأيام الجمهورية الفرنسية الرابعة التي انتهت بصعود شارل ديغول عام 1958، إلا أن المشهد اليوم يخلو من أي “منقذ تاريخي”، وفق "التايمز".
وأشارت الصحيفة إلى أن الاتحاد الأوروبي يواجه أخطر أزماته منذ تأسيسه عام 1958، في ظل ركود اقتصادي ممتد وتراجع حاد في التنسيق الفرنسي-الألماني.
فالمستشار الألماني الجديد فريدريش ميرتس، الذي يقود ائتلافاً هشاً بين الحزب الديمقراطي المسيحي والاشتراكيين الديمقراطيين، يجد نفسه محاصراً بتحديات اقتصادية وسياسية داخلية وصعود لليمين المتطرف ممثلاً بحزب "البديل من أجل ألمانيا".
وبينما تنغمس ألمانيا في ركود هو الأطول منذ توحيدها عام 1871، تتفاقم أزمات فرنسا بفعل عجزها عن إصلاح نظامها الاجتماعي وضبط الإنفاق العام، فقد تجاوزت ديونها 114 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، مقابل 60 في المئة فقط في ألمانيا. هذا التفاوت المالي، تقول "التايمز"، يقوّض الاستقرار الاقتصادي للقارة ويضعف ثقة المستثمرين.
ولم تكن التوترات السياسية وحدها ما أضعف “المحرّك الفرنسي-الألماني”، إذ أضافت تداعيات الحرب في أوكرانيا وتعطل إمدادات الغاز الروسي صدمات جديدة للاقتصاد الأوروبي.
فقد بنت برلين على مدى نصف قرن اعتمادها على الطاقة الروسية، قبل أن تجد نفسها في مواجهة أزمة خانقة بعد غزو موسكو لأوكرانيا عام 2022.
وفي فرنسا، يفتح تراجع ماكرون الباب أمام صعود اليمين المتطرف بقيادة مارين لوبان وجوردان بارديلا، اللذين يبدوان الأقرب لانتزاع الإليزيه خلال العام المقبل.
ورغم أنهما لا يدعوان إلى الخروج من الاتحاد الأوروبي أو التخلي عن اليورو، فإنهما سيضغطان -بحسب الصحيفة- على ألمانيا لتخفيف قواعد الديون والموافقة على مزيد من الاقتراض الأوروبي المشترك، وهو ما قد يرفضه ميرتس تحت ضغط أوضاعه الداخلية.
وترى "التايمز" أن تأثير الأزمة الفرنسية يتجاوز حدود الاتحاد الأوروبي ليطال بريطانيا أيضاً، التي تواجه تداعيات قرار أوروبي برفع الرسوم الجمركية على واردات الفولاذ، ما قد يهدد صناعتها الوطنية.
وتخلص الصحيفة إلى أن أوروبا اليوم أمام مفترق طرق حاسم: فإما أن تعيد بناء قدراتها الاقتصادية والعسكرية والعلمية وتوحّد أنظمتها المالية، وإما أن تستمر في سياسة "العبور بالممكن" وسط عالم تتنازع فيه القوى الكبرى النفوذ.
فيما تبدو القارة العجوز، التي لطالما كانت رمزاً للاستقرار والتكامل، كمن فقد بوصلته في عالم لا يرحم.