logo
العالم

التهديدات الهجينة.. أوروبا تخشى "إعصار" ما بعد الحرب الإيرانية

علما إيران والاتحاد الأوروبيالمصدر: (أ ف ب)

في الوقت الذي تتجه فيه الأنظار الدولية إلى مسار الحرب المرتبطة بإيران وما قد تحمله من تحولات عسكرية وجيوسياسية في الشرق الأوسط، بدأت المؤسسات الأمنية الأوروبية تنظر إلى الصراع من زاوية التداعيات غير المباشرة داخل القارة نفسها.

التقديرات الصادرة عن وكالة الشرطة الأوروبية "يوروبول" تتعامل مع الحرب كعامل قد يعيد تنشيط أنماط من التهديدات الأمنية داخل القارة، لكنها تظهر بأشكال أكثر تعقيدًا.

أخبار ذات علاقة

نائب وزير الخارجية الإيراني، مجيد تخت روانجي

إيران تحذر أوروبا من الانضمام للهجمات الأمريكية-الإسرائيلية

تحذير "يوروبول" من أن الحرب المرتبطة بإيران قد تحمل "تداعيات فورية" على أمن الاتحاد الأوروبي يعكس إدراكاً متزايداً داخل المؤسسات الأوروبية بأن الحروب المعاصرة باتت تمتد إلى الفضاء الرقمي والاقتصادي والاجتماعي.

لذلك، فإن المخاوف لا تتعلق فقط بإمكانية وقوع هجمات إرهابية، بل تشمل أيضاً موجة متوقعة من الهجمات السيبرانية، وعمليات الاحتيال الإلكتروني، وحملات التضليل المعلوماتي التي قد تستغل حالة الفوضى الإعلامية المصاحبة عادة للحروب الكبرى.

وفي سياق مواز، أوضحت يوروبول أن الحرب قد تولد سلسلة من التداعيات الأمنية الفورية داخل أوروبا، تشمل زيادة خطر الإرهاب والجريمة المنظمة والتطرف العنيف.

القلق الأوروبي لا يقتصر على البعد الأمني المباشر، فقد حذر مسؤولون في الاتحاد الأوروبي من أن الحرب قد تحمل تداعيات أوسع على الاستقرار الاقتصادي والسياسي داخل القارة.

كما تشير التقديرات الأوروبية إلى أن أي تصعيد عسكري كبير في الشرق الأوسط قد ينعكس على أسواق الطاقة العالمية، ويؤثر في سلاسل الإمداد والنقل البحري، فضلاً عن احتمال ارتفاع أسعار الطاقة والسلع الأساسية.

أحد المفاهيم التي باتت مركزية في التفكير الأمني الأوروبي هو مفهوم "التهديدات الهجينة"، أي الأنشطة التي لا تصل إلى مستوى الحرب التقليدية لكنها قادرة على إحداث اضطراب واسع في المجتمعات والدول.

وفي هذا السياق، أصبحت الأجهزة الأمنية الأوروبية ترى أن أي تصعيد عسكري كبير في الشرق الأوسط قد يفتح المجال أمام سلسلة من العمليات غير المباشرة داخل أوروبا.

أوروبا تستعد لارتدادات الحرب الإيرانية

تتراوح هذه العمليات بين الهجمات السيبرانية التي تستهدف البنية التحتية الحيوية، مثل شبكات الطاقة والاتصالات، وبين حملات الترهيب أو الضغط التي قد تنفذها شبكات مرتبطة بأطراف في الصراع. كما أن الفضاء الرقمي الأوروبي قد يتحول إلى ساحة نشطة لحملات التضليل، حيث يجري استغلال المعلومات المتدفقة حول الحرب لتوجيه الرأي العام أو نشر روايات متناقضة تزيد من حالة الارتباك.

وأصدر معهد دراسات الأمن التابع للاتحاد الأوروبي تحليلًا حديثًا حول الحرب المرتبطة بإيران وتأثيراتها على أوروبا، مؤكدًا أن الصراع يضع القارة الأوروبية أمام مجموعة من المخاطر الأمنية والاقتصادية والجيوسياسية.

ويرى التقرير أن الحرب قد تفتح مرحلة جديدة من عدم الاستقرار الإقليمي، مع احتمال توسع العمليات العسكرية وامتدادها إلى دول أخرى في المنطقة، وهو ما يهدد المصالح الأوروبية في مجالات الطاقة والاستقرار الإقليمي والتجارة الدولية.

ويشير التحليل إلى أن أوروبا تقف في موقع المتأثر بالأحداث أكثر من كونها طرفًا مباشرًا فيها، لكن رغم هذا البعد العسكري، تظل المصالح الأوروبية مرتبطة بشكل مباشر بنتائج الحرب، خصوصًا فيما يتعلق بأمن الطاقة واستقرار الشرق الأوسط ومسارات التجارة العالمية.

كما يؤكد التقرير أن أخطر ما في هذا الصراع هو احتمال تحوله إلى حرب إقليمية واسعة أو إلى حالة تصعيد طويلة الأمد، الأمر الذي قد يؤدي إلى موجات عدم استقرار سياسي وأمني تمتد آثارها إلى أوروبا.

في حين حذرت أجهزة الاستخبارات الإيطالية في تقرير أمني صدر مؤخرًا من أن التوترات المرتبطة بالحرب في إيران قد تؤدي إلى ارتفاع مستوى التهديد الإرهابي داخل أوروبا، بسبب تصاعد الاستقطاب الدولي وإمكانية استغلال الصراع من قبل جماعات متطرفة.

وأشار التقرير أيضًا إلى أن الأزمات الكبرى في الشرق الأوسط غالبًا ما تؤدي إلى انعكاسات أمنية داخل أوروبا، سواء عبر عمليات إرهابية فردية أو عبر نشاط شبكات متطرفة تستغل حالة التوتر الدولي.

شبكات النفوذ والأنشطة العابرة للحدود

جانب آخر من القلق الأوروبي يتعلق بإمكانية تحرك شبكات مرتبطة بإيران أو متعاطفة معها داخل أوروبا، سواء عبر أنشطة دعائية أو عمليات ضغط وترهيب. تاريخيًا، شهدت بعض الدول الأوروبية حالات مشابهة خلال مراحل التوتر بين إيران والغرب، حيث تحدثت تقارير استخباراتية عن نشاطات تهدف إلى مراقبة معارضين أو ممارسة ضغط على مجموعات سياسية.

لكن السياق الحالي يبدو أكثر تعقيدًا، لأن التداخل بين الشبكات السياسية والاقتصادية والرقمية أصبح أكبر بكثير مما كان عليه قبل عقد أو عقدين. فالأدوات التي يمكن استخدامها للتأثير في الداخل الأوروبي لم تعد تقتصر على العمليات السرية التقليدية، بل تشمل أيضًا الحملات الرقمية، والاختراقات السيبرانية، وحتى استخدام منصات التواصل الاجتماعي كمساحة للصراع السياسي.

وفي السياق ذاته، بدأت شركات الأمن السيبراني الدولية ترصد مؤشرات على تصاعد النشاط الرقمي المرتبط بالصراع. حيث نشرت شركة "تريلكس"، وهي شركة دولية متخصصة في الأمن السيبراني وتحليل التهديدات الرقمية، تحليلًا موسعًا يوم الخميس الماضي حول نشاط مجموعات قرصنة مرتبطة بإيران، مشيرة إلى أن هذه المجموعات أصبحت أكثر تنظيمًا وقدرة على تنفيذ عمليات اختراق معقدة تستهدف الحكومات والشركات والبنية التحتية الرقمية.

المفارقة التي تواجه الاتحاد الأوروبي اليوم تتمثل في أن الحرب نفسها تجري بعيدًا عن حدوده، لكنها في الوقت ذاته قد تنتج سلسلة من التأثيرات التي تمس أمنه الداخلي بشكل مباشر، فالقارة الأوروبية تعتمد على بنية تحتية رقمية واقتصادية مترابطة للغاية، ما يجعلها عرضة بشكل خاص للهجمات السيبرانية والعمليات التخريبية التي تستهدف الأنظمة الحيوية.

وبينما يستمر الصراع المرتبط بإيران في إعادة تشكيل موازين القوى في الشرق الأوسط، تدرك العواصم الأوروبية أن تداعياته لن تبقى محصورة في ساحاته المباشرة. فالتجارب السابقة تشير إلى أن الأزمات الإقليمية الكبرى غالبًا ما تترك بصماتها الأمنية والسياسية داخل أوروبا، وهو ما يفسر تصاعد التحذيرات الحالية والاستعدادات الأمنية لمواجهة ارتدادات حرب قد تتجاوز حدودها الجغرافية.

logo
تابعونا على
جميع الحقوق محفوظة © 2026 شركة إرم ميديا - Erem Media FZ LLC