الخطوط الجوية الهولندية تعلق رحلاتها إلى تل أبيب
في خضم تحولات أمنية متسارعة، بات عام 2030 يُلقي بظلاله الثقيلة على كل نقاش استراتيجي في العواصم الأوروبية.
من باريس إلى برلين، ومن وارسو إلى تالين (عاصمة إستونيا)، يتصاعد الإجماع على أن روسيا تُعيد بناء آلتها العسكرية بوتيرة تجعل المواجهة المسلحة احتمالًا لا يمكن استبعاده.
والسؤال الذي يقضّ مضاجع القادة الغربيين اليوم ليس ما إذا كانت روسيا ستكون مستعدة، بل متى؟
وفقًا لمعطيات الاستخبارات الغربية، كانت روسيا تخطط في الأصل لتكون مستعدة لعمل عسكري واسع بحلول 2030، غير أن التطورات الميدانية فاجأت المحللين، إذ كشف رئيس الاستخبارات العسكرية الأوكرانية كيريلو بودانوف في ديسمبر/ كانون الأول 2025 أن موسكو أعادت ضبط ساعتها الحربية، مؤكدًا أن "الخطط الأولية حُدِّدت لعام 2030، لكنها عُدِّلت وقُدِّمت إلى 2027".
وبحسب ما نقله موقع (7sur7) البلجيكي، فإن المستهدف الأول في هذه الخطط هو دول البلطيق الثلاث، إستونيا ولاتفيا وليتوانيا، فيما تقع بولندا ضمن نطاق الضربات دون "احتلال".
ويرى بودانوف أن الغرب يبدو في عيون الكرملين "مريضًا وضعيفًا ومترددًا"، وهو ما يجعله الاتجاه الوحيد المتاح للتمدد الروسي بعد استبعاد الأقطاب الأخرى.
في ظل هذه التهديدات أصدر المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية (IFRI) تحت إشراف مديره توماس غومار تقريرًا مفصلًا يرسم صورة مقارنة للقوى العسكرية بين أوروبا وروسيا.
وخلص التقرير إلى أن القوات البرية الروسية قد تبلغ 950,000 جندي بما فيها الحرس الوطني والقوات الجوية، في مقابل 750,000 لدول الناتو الأوروبية، وهي قوات موزعة وأقل جاهزية.
المقارنة تنقلب في الجو والبحر، فأوروبا تمتلك أكثر من 1,500 طائرة مقاتلة في مقابل أقل من ألف لدى روسيا، مع تفوق نوعي واضح بفضل مقاتلات الجيل الخامس مثل إف-35 والجيل الرابع ونصف مثل رافال وتايفون.
وفي البحر، تمتلك أوروبا ثلاثة أضعاف عدد السفن الروسية الكبيرة، غير أن موسكو تراهن على استراتيجية "حرمان الوصول" وعلى أسطولها من الغواصات لتهديد الكابلات والبنية التحتية البحرية الحيوية.
يُشخّص تقرير (IFRI) نقطة ضعف بنيوية خطيرة، إذ يصف المجال البري بأنه "البطن الرخو" للدفاع الأوروبي، مشيرًا إلى عجز حاد في الأسلحة الداعمة والمدفعية ومخزونات الذخيرة اللازمة لخوض حرب استنزاف طويلة الأمد.
وتكمن هشاشة أخرى في غياب صواريخ متخصصة لاستهداف منظومات الدفاع الجوي الروسية كـ"إس-400"، وهي ثغرة يسعى صاروخ "آر جي-10" (RJ-10) الأوروبي الجديد لسدّها، لكنه لن يكون جاهزًا قبل عام 2035، وهو ما وصفه التقرير بـ"الأبدية" في سياق التهديد القائم.
ضخّت روسيا ما يزيد عن 6.6% من ناتجها المحلي الإجمالي في الإنفاق الدفاعي خلال 2025، متجاوزةً بذلك المعدلات الأوروبية بفارق كبير، فيما تستمد دعمها اللوجستي والصناعي من الصين وإيران وكوريا الشمالية.
في المقابل، وافق الناتو في قمة لاهاي 2025 على استهداف إنفاق بنسبة 5% من الناتج المحلي بحلول 2035، وهو سقف لا تبلغه حتى الآن سوى أقلية من الدول الأعضاء.
في خضم هذا التدافع نحو إعادة التسليح، يرتفع صوت مغاير. وفي هذا السياق يُحذّر لوي غاليوا، المسؤول الصناعي الفرنسي الكبير، في مقال نشرته مجل (Nouvel Obs) من مغبة الخطاب التصعيدي، قائلًا إن "الأحاديث التحذيرية تُوّلد نادرًا ردود أفعال عقلانية، بل تُغذّي أولًا شعورًا بالخوف وقد تُحدث ديناميكيات تتحقق من تلقاء نفسها".
ويُنبّه إلى غياب الأبعاد النووية عن هذه النقاشات، مؤكدًا أن أي مواجهة ستُوقع للمرة الأولى في التاريخ ثلاث قوى نووية في مواجهة مباشرة: روسيا وفرنسا والمملكة المتحدة.
ويخلص توماس غومار إلى أن "الدول الأوروبية لم تعد قادرة على تجاهل المسألة الروسية، لأن روسيا اختارت الحرب"، مضيفًا أن أوروبا تملك الإمكانات لردع موسكو، لكنها تفتقر إلى إرادة القوة اللازمة لذلك.