logo
العالم

الصين على خط حرب إيران.. وساطة حيادية أم إعادة تشكيل النفوذ؟

سفن تجارية تعبر مضيق هرمزالمصدر: (أ ف ب)

تطرح الصين منذ نهاية آذار مسارًا سياسيًّا لوقف الحرب في إيران، بعد أن وضعت مع باكستان مبادرة مكتوبة تتضمن وقف العمليات العسكرية وتأمين الملاحة في مضيق هرمز.

وخلال أيام قليلة نقلت الصين المبادرة إلى مستوى التحرك الدبلوماسي مع أطراف دولية معنية بسوق الطاقة والملاحة، وبهذا التحرك وضعت الصين نفسها داخل ملف إدارة الحرب وليس في موقع المراقب الخارجي.

ومن هنا تحوّل التحرك الصيني إلى خطوة سياسية تتصل بموقع الصين في التوازنات الدولية في الشرق الأوسط وبموقعها في ملف الطاقة العالمي وبعلاقتها مع الولايات المتحدة التي تدير تقليديًّا المسارات التفاوضية في المنطقة.

تقاطع مصالح وصراع على إدارة التفاوض

وضمن هذا السياق تأجلت قمة كانت مقررة بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والرئيس الصيني شي جين بينغ؛ بسبب الخلاف حول دور الصين في الحرب، حيث تدور الخلافات حول طبيعة الدور الصيني وحدوده، فواشنطن تريد دورًا صينيًّا يساهم في ضبط إيقاع الأزمة وتأمين الملاحة دون أن يتحول إلى دور سياسي يقود مسار التفاوض.

وبينما تعمل بكين على توسيع دورها ليشمل المسار السياسي للحرب؛ لأن الدخول إلى مسار التفاوض يمنحها موقعًا دائمًا في ملفات الشرق الأوسط.

يأتي هذا التحرك الصيني في لحظة حساسة لسوق الطاقة العالمي، حيث تعتمد الصين على استيراد ما يقارب 40% من احتياجاتها النفطية من المنطقة، ويأتي جزء كبير من هذه الإمدادات عبر مضيق هرمز، وهو ما يجعل أي تهديد للملاحة في المضيق تهديدًا مباشرًا للأمن الاقتصادي الصيني.

ولهذا تركز بكين في مبادرتها على مسألة تأمين الملاحة قبل أي مسار سياسي؛ لأن استقرار تدفق الطاقة يمثل أولوية استراتيجية للصين في سياستها الخارجية في الشرق الأوسط.

ومع دخول الصين إلى هذا المسار يبدأ تداخل واضح بين مسار الحرب ومسار التفاوض الدولي على شكل التوازن الإقليمي في المرحلة المقبلة، خاصة وأن واشنطن مارست ضغوطًا دبلوماسية على بكين من أجل المساهمة في احتواء التصعيد وضمان استمرار الملاحة في مضيق هرمز، وهذا ما فتح مجالًا لتقاطع مصالح مؤقت بين واشنطن وبكين في مسألة حماية الملاحة، لكن هذا التقاطع يخفي تنافسًا سياسيًّا أوسع حول من يدير المسار السياسي للحرب.

الصين من شريك اقتصادي إلى فاعل سياسي

المبادرة الصينية الباكستانية تضمنت إطارًا سياسيًّا من خمس نقاط يهدف إلى وقف العمليات العسكرية وفتح مسار تفاوضي إقليمي وتأمين الملاحة الاقليمية وضمان استقرار إمدادات الطاقة.

التحرك الصيني الحالي يتصل بمسار سياسي واقتصادي تعمل عليه بكين في الشرق الأوسط منذ سنوات، حيث تحولت الصين خلال العقدين الماضيين إلى الشريك التجاري الأول لمعظم دول المنطقة، ووقعت اتفاقيات طاقة واستثمار طويلة الأمد مع العديد منها.

ومع توسع حرب إيران تدخل بكين الآن إلى ملف أكثر تعقيدًا يرتبط بالأمن الإقليمي وبالملاحة والطاقة، وبذلك تنتقل من رعاية اتفاقات دبلوماسية بين دولتين إلى محاولة الدخول في مسار سياسي مرتبط بحرب إقليمية مفتوحة، وهذا تطور مهم في طبيعة الدور الصيني في الشرق الأوسط، إذ تنظر الصين إلى الوساطة في حرب إيران كخطوة تنقلها من دور الشريك الاقتصادي في الشرق الأوسط إلى دور الشريك السياسي في إدارة أزمات المنطقة.

وقد فتحت الحرب في إيران مجالًا واسعًا للتنافس الدولي على إدارة التوازنات في الشرق الأوسط، وتدرك بكين أن إدارة الأزمات تمنح نفوذًا سياسيًّا طويل المدى يتجاوز النفوذ الاقتصادي، وقد أدارت الولايات المتحدة لعقود معظم مسارات التفاوض في المنطقة من كامب ديفيد إلى أوسلو إلى الاتفاق النووي مع إيران.

وهذا الدور منح واشنطن موقع القوة التي تدير النظام الإقليمي سياسيًّا وأمنيًّا، واليوم تحاول الصين الدخول إلى هذا المجال عبر ملف الوساطة؛ لأن من يدير مسارات التفاوض يمكن أن يمتلك تأثيرًا مباشرًا على شكل النظام الإقليمي وعلى شبكات التحالفات وعلى خرائط الطاقة.

حدود الدور الصيني في الملفات الأمنية

ولكن ورغم اتساع الحضور الاقتصادي الصيني في الشرق الأوسط، فإن الدخول إلى الملفات الأمنية والسياسية يواجه تعقيدات كبيرة ترتبط بطبيعة الصراعات في المنطقة، حيث تتداخل الملفات الأمنية مع التوازنات الدولية ومع شبكات التحالفات العسكرية.

كما أن بعض القوى الإقليمية ترتبط بشبكات أمنية وعسكرية طويلة الأمد مع الولايات المتحدة، وهذا الارتباط يفرض حدودًا على أي دور دولي جديد في الملفات الأمنية، كما أن إسرائيل تنظر بحذر إلى أي دور دولي جديد في إدارة التوازنات الإقليمية، وتفضل بقاء إدارة الملفات الأمنية ضمن الإطار الأمريكي الذي تملك داخله نفوذًا سياسيًّا كبيرًا.

وكان قد أكد وزير الخارجية الصيني وانغ يي، ونظيره الباكستاني محمد إسحق دار، خلال طرح المبادرة المشتركة، ضرورة ضمان سلامة الممرات المائية وسلامة ‌السفن ⁠وطواقمها العالقة في مياه مضيق هرمز ومحيطه.

كما جاء في المبادرة أيضًا أن الصين وباكستان تحثان جميع الأطراف على "تيسير مرور السفن المدنية والتجارية بأمان في أسرع وقت ممكن، واستئناف حركة الملاحة الطبيعية في المضيق في أقرب وقت". 

أخبار ذات علاقة

مقاتلة من طراز "إف-35" أمريكية

دخول قوات أمريكية إلى إيران بحثاً عن طيار مفقود (فيديو)

وفي حين أن الحرب في إيران تجري ضمن سياق دولي أوسع يتصل بإعادة توزيع النفوذ بين القوى الكبرى، ومع دخول الصين إلى مسار التفاوض في هذا الملف، يتحول الشرق الأوسط إلى ساحة توازن دولي مفتوح يرتبط بالطاقة والممرات البحرية والأسواق؛ وبذلك تصبح الوساطة في هذه الحرب مسارًا يحدد شكل التوازن الإقليمي بعد الحرب والجهة الدولية التي ستملك النفوذ داخل هذا التوازن.

والتحرك الصيني في ملف حرب إيران يعكس هذا التحول، حيث تسعى بكين إلى تثبيت حضور سياسي دائم في ملفات الشرق الأوسط، مستفيدة من ثقلها الاقتصادي ومن علاقاتها المتوازنة مع معظم دول المنطقة، ومن قدرتها على تقديم مبادرات اقتصادية كبيرة مرتبطة بإعادة الإعمار والطاقة والبنية التحتية، وهذه الأدوات تمنحها نفوذًا سياسيًّا تدريجيًّا يتوسع مع مرور الوقت.

logo
تابعونا على
جميع الحقوق محفوظة © 2026 شركة إرم ميديا - Erem Media FZ LLC