مع اقتراب موعد خروج بنغلاديش من قائمة الدول الأقل نمواً واقتراب الانتخابات الوطنية في 12 فبراير 2026، يسعى وفد رفيع المستوى من دكا إلى واشنطن لوضع اللمسات الأخيرة على اتفاقية تجارية ثنائية، قد تغير المسار الاقتصادي للبلاد.
التوقيت الدقيق، ثلاثة أيام قبل الانتخابات، جعل النقاد المحليين يشيرون إلى خطوة محسوبة من الإدارة المؤقتة لتأكيد الشرعية الدولية، لكن الصفقة ترتكز أيضًا على معضلة اقتصادية أعمق بكثير.
تمثل الاتفاقية، المعروفة بـ"القطن مقابل الملابس"، محاولة استراتيجية لحماية نموذج تصديري يعتمد بشكل كبير على صناعة الملابس الجاهزة، التي تشكل حوالي 85% من عائدات التصدير.
وتواجه بنغلاديش نهاية امتيازاتها التجارية المعفاة من الرسوم الجمركية في نوفمبر 2026، وهو
تحول قد يقلل من صادراتها السنوية بمقدار يصل إلى 8 مليارات دولار، ويؤثر على العملة الأجنبية والتوظيف الصناعي في وقت تتسابق فيه فيتنام وكمبوديا للحصول على مزايا تجارية مستدامة.
بحلول أواخر 2025، واجه المصدرون البنغلاديشيون زيادة في التعريفات الجمركية الأمريكية، وصلت إلى 36% لبعض فئات الملابس، ما انعكس على حجم الصادرات رغم ثبات الطلب الاستهلاكي.
تأتي الاتفاقية الجديدة كإطار مبتكر لإزالة هذا "الجدار الجمركي": بموجب آلية "المتر المربع مقابل المتر المربع"، تحصل بنغلاديش على إعفاءات جمركية على واردات الملابس بما يتناسب مع وارداتها من القطن والألياف الصناعية الأمريكية.
وبالإضافة إلى ذلك، وافقت دكا على مجموعة من الإصلاحات المؤسسية: تجميد الرسوم الجمركية على التجارة الإلكترونية، مواءمة حقوق الملكية الفكرية مع المعايير الدولية، ودعم مبادرات الإصلاح الأمريكية في منظمة التجارة العالمية.
وتؤكد هذه الخطوات استعداد بنغلاديش للتكيف مع متطلبات عالم ما بعد الدول الأقل نموًا، حيث يُعد جذب الاستثمار الأجنبي المباشر عالي الجودة أمراً أساسياً لتنويع اقتصادها الصناعي.
تأتي الاتفاقية أيضًا في سياق سياسي حساس. فالإدارة المؤقتة بقيادة محمد يونس تعمل في ظل ميثاق يوليو الذي يمثل الأساس الأيديولوجي لثورة 2024، والصفقة تمنحها أداة ملموسة لإظهار قدرتها على تحقيق الاستقرار الاقتصادي أمام الناخبين والمستثمرين الدوليين.
توقيع الاتفاق قبل الانتخابات يعزز التوجه المؤيد للغرب في السياسة التجارية، ويصعّب على أي حكومة لاحقة إعادة النظر فيه.
جيوسياسيًا، تمنح الشراكة مع واشنطن لبنغلاديش وزنًا موازنًا في منطقة متشابكة القوى؛ فهي تعتمد على الاستثمارات الصينية في البنية التحتية والتعاون الهندي في الأمن الإقليمي، في حين تظل الولايات المتحدة أكبر مستهلك لمنتجاتها الصناعية ومصدرًا رئيسيًا للاستثمار الأجنبي.
وبذلك، تتيح الصفقة قناة عملية لتحقيق الاستقرار وتقليل الاعتماد على قوة إقليمية واحدة، مع فصل الخلافات السياسية السابقة لصالح المكاسب الاقتصادية المتبادلة.
ومع ذلك، يبقى الاختبار الحقيقي للاتفاقية بعد الانتخابات. يتطلب نجاحها إصلاحات جذرية في الخدمات اللوجستية، البنية التحتية، والتجارة الرقمية، لضمان أن يكون الإعفاء الجمركي البالغ 15٪ فعالًا في مواجهة ارتفاع تكاليف الطاقة والعمالة.
في نهاية المطاف، تعتبر الاتفاقية بمثابة نافذة مؤقتة تحمي صناعة الملابس بينما تسعى بنغلاديش إلى التنويع الصناعي المستقبلي.
كما سيحدد نجاحها أو فشلها ما إذا كانت البلاد ستدخل مرحلة جديدة من الازدهار الاقتصادي، أو ستبقى في هامش المنافسة العالمية في فترة ما بعد خروجها من قائمة الدول الأقل نموًا.