في عالمٍ تتحول فيه الطاقة إلى خضراء والصناعة إلى ذكية، لم تعد السيطرة على النفط هي مفتاح النفوذ الدولي، بل المعادن النادرة؛ فمن يمتلك هذه العناصر التي تدخل في صناعة الشرائح الإلكترونية والبطاريات والطائرات المقاتلة، يملك مفاتيح التكنولوجيا والدفاع والطاقة في المستقبل.
بلغ الإنتاج العالمي للمعادن النادرة في 2024 أكثر من 300 ألف طن، حازت الصين وحدها على 185 ألف طن، أي ما يقارب 60% من الإنتاج العالمي، بينما لا تتجاوز حصة الولايات المتحدة بين 15 و20%، وتعتمد في الجزء الأكبر منها على الاستيراد؛ ما يجعلها عرضة لهزات السوق وتقلبات السياسة الصينية.
هيمنة صينية على التكرير وسلاسل الإمداد
لا تقتصر قوة الصين على استخراج المعادن، بل تمتد إلى مرحلة التكرير والمعالجة، وهي الحلقة الحاسمة في تحويل الخام إلى مواد تدخل في التصنيع المتقدم.
تسيطر بكين على 85 إلى 90% من طاقة التكرير العالمية؛ ما يجعل أي اضطراب في سلاسل الإمداد الصينية تهديدًا مباشرًا للصناعات الغربية، من الهواتف إلى الطائرات.
في المقابل، لا تملك الولايات المتحدة بنية تحتية كافية للمعالجة المتقدمة، رغم محاولاتها المتسارعة لبناء مصانع جديدة وتقليل الاعتماد على الصين. لكن هذه المشاريع تصطدم بتعقيدات بيئية، وكلفة مرتفعة، وفجوة تكنولوجية واسعة.
تمنح هذه الفجوة الصين ورقة ضغط استراتيجية، خاصة مع تصاعد الحرب التجارية والتكنولوجية بين القوتين، وتحوّل المعادن إلى سلاح جيوسياسي لا يقل أهمية عن النفط أو أشباه الموصلات.
سباق النفوذ في أفريقيا
وإدراكًا لأهمية تنويع مصادر المعادن، اندفع كلٌّ من الصين والولايات المتحدة نحو أفريقيا الغنية بالنحاس والكوبالت والليثيوم.
استثمرت الصين 1.4 مليار دولار في تطوير سكة حديد تازارا، لربط مناجم زامبيا والكونغو بالموانئ وتنشيط صادراتها من النحاس والكوبالت؛ ما يعزز نفوذها الاقتصادي في القارة.
في المقابل، أعلنت واشنطن دعمها مشروع ممر لوبتو باستثمار قدره 500 مليون دولار، يربط الكونغو وأنغولا بالمحيط الأطلسي، في محاولة لمنافسة الحضور الصيني المتنامي.
لكن الفارق واضح: الصين تتحرك ضمن استراتيجية متكاملة تربط التمويل بالبنية التحتية والتكرير والتصنيع، بينما ما زالت المبادرات الأمريكية محدودة النطاق وتركز على الشراكات الثنائية.
ويدخل العالم مرحلة جديدة من "الجغرافيا المعدنية"، حيث لم يعد النفط وحده يحدد موازين القوة، بل من يملك القدرة على استخراج وتكرير وتوزيع المعادن النادرة.
في هذا السباق، تتصدر الصين المشهد بخطط طويلة المدى تمتد من منغوليا إلى أفريقيا وأمريكا الجنوبية، بينما تحاول الولايات المتحدة اللحاق عبر اتفاقيات مع الكونغو وأوكرانيا وتوسيع الاستثمار في سلاسل التوريد.
لكن حتى الآن، يبدو أن بكين لا تزال تمسك بالمفاتيح، فيما تحاول واشنطن فقط فتح الأبواب.