في وقت تضخ فرنسا مليارات اليوروهات في منظومتها الدفاعية استعدادًا لمواجهة التهديد الروسي المتصاعد، برزت إلى العلن فضيحة صامتة لكنها باهظة الكلفة.
وأُنفقت عشرات ملايين اليوروهات على مشاريع رقمية عسكرية لم تحقق نتائج تُذكر، وبينما تتسارع وتيرة الحرب التكنولوجية في أوكرانيا، يجد الجيش الفرنسي نفسه أمام واقع يكشف ثغرات عميقة في مسار التحديث الرقمي يصعب تجاهلها.
كشفت مجلة ليكسبريس أن الجنرال تييري بوركار أعدّ، قبيل مغادرته منصبه، قائمة سرية تضم نحو عشرة مشاريع رقمية كبرى تديرها وزارة الجيوش منذ سنوات، يعود بعضها إلى أكثر من عقد، دون تحقيق نتائج مرضية.
وكان الهدف المعلن من هذا التقييم الاستراتيجي التخلص من المشاريع الأكثر إخفاقًا، وإعادة توجيه الموارد نحو حلول أكثر توافقًا مع التحولات التكنولوجية التي فرضتها الحرب في أوكرانيا.
وقال خبير في الرقمنة الدفاعية للمجلة إن الفكرة شملت أيضًا دراسة إمكانية إقرار آلية تمنح السلطات حق إيقاف المشاريع التي يتضح فشلها، وهو إجراء يُعد حاسمًا في ظل عقود طويلة الأمد تربط الوزارة بشركات التكنولوجيا الكبرى، ما يحد من القدرة على إنهاء المشاريع مبكرًا.
ومن أبرز نتائج هذه القائمة، قرار مديرية الاستحواذ الدفاعي (DGA) في ربيع عام 2025 وقف العمل بنظام قيادة العمليات العسكرية الذي طوّرته شركتا Sopra Steria وThales على مدى 8 سنوات. وبعد سلسلة من الأعطال والمشكلات التقنية، قررت المديرية اعتماد نظام دنماركي جاهز للاستخدام لمدة عامين، في خطوة عُدّت اعترافًا ضمنيًا بفشل الحل الوطني.
وجاء هذا القرار ضمن برنامج أوسع لتحديث أنظمة المعلومات العسكرية، بلغت ميزانيته في مرحلته الأولى 754.6 مليون يورو، إضافة إلى 365 مليون يورو مخصصة للفترة الممتدة بين عامي 2023 و2026. ورغم ذلك، تواصل شركة Thales العمل على تطوير نظام بديل تعتزم تقديمه للجيش البري بعد انتهاء فترة الحل المؤقت، ما يمنح المشروع فرصة جديدة تثير تساؤلات بشأن جدواها أمام دافعي الضرائب.
وتضمنت قائمة الإخفاقات أيضًا برنامج "برازيداس" لصيانة المعدات الجوية، الذي أطلقته وزارة الجيوش عام 2018 وأُسند إلى شركة Sopra Steria بعقد أولي بلغت قيمته 14 مليون يورو.
وفي تقرير صادر عام 2024، أشار مجلس الرقابة المالية الأعلى إلى وجود "صعوبات جسيمة" في إدارة البرنامج، داعيًا إلى إيلاء اهتمام خاص لتجنب مزيد من التجاوزات. كما جرى تأجيل الموعد النهائي لإتمام المشروع من عام 2024 إلى عام 2030، ما يعكس حجم التعثر الذي يواجهه.
ولا يمكن تناول إخفاقات التحديث الرقمي العسكري في فرنسا دون استحضار برنامج "لوفوا"، الذي يُعد أبرز فضيحة تقنية في تاريخ الجيش الفرنسي.
وعلى مدى 10 سنوات، تسبب هذا النظام المعطل في حرمان آلاف الجنود والضباط من رواتبهم في موعدها أو صرفها بشكل صحيح، قبل أن يُوقف نهائيًا عام 2021، بعد إنفاق نحو 100 مليون يورو عليه. والمفارقة أن هذا النظام طُوّر داخليًا، ما يؤكد أن الإخفاق لم يكن مرتبطًا فقط بالتعاقد مع القطاع الخاص.
وفي سبتمبر 2025، أنشأت وزارة الجيوش "مفوضية الرقمنة الدفاعية" (CND)، بهدف توحيد الإشراف على المشاريع الرقمية الكبرى وإعادة تنظيم حوكمتها بشكل جذري، مع اعتماد مقاربة قائمة على البيانات والذكاء الاصطناعي لمواكبة متطلبات الحروب الحديثة.
وتشمل مهام الهيئة الجديدة إعادة بعض المشاريع إلى الإدارة الداخلية لتعزيز السيطرة عليها وتقليل النفقات قدر الإمكان.
ويبقى السؤال مطروحًا: هل ستتمكن فرنسا من كسر هذه الحلقة المتكررة؟ فالملايين تُنفق، والعقود تُمدد، والإخفاقات تتكرر دون محاسبة واضحة، في وقت تؤكد فيه الحرب في أوكرانيا أن التأخر التكنولوجي قد تكون كلفته الأرواح، وليس الأموال فقط.