تتوالى المؤشرات على تراجع دور الحكومة الإيرانية، بحيث تتقدم المؤسسة الأكثر صلابة وتنظيمًا - الحرس الثوري - إلى واجهة القرار، بقيادة رجل واحد، هو أحمد وحيدي.
وترسم المعطيات التي تتقاطع بين مصادر غربية وتقارير مراكز أبحاث، مع تسريبات إعلامية إيرانية معارضة، صورة أقرب إلى "استيلاء صامت" على السلطة، إذ لم تعد الحكومة سوى واجهة، فيما يُدار القرار الفعلي من داخل غرف الحرس.
بحسب ما نقلته رويترز، فإن الحرس الثوري تولّى فعليًا "قيادة زمن الحرب" داخل إيران، بما يشمل القرارين العسكري والسياسي، لضمان خط أكثر تشددًا.
ولا يبدو هذا التوصيف تفصيلاً، بل هو تحوّل بنيوي، إذ يتراجع دور الرئيس مسعود بزشكيان إلى موقع تنفيذي محدود التأثير، خاصة بعد أن كشفت منصة "إيران إنترناشيونال" عن تعثر محاولة تعيين وزير للاستخبارات نتيجة ضغط مباشر من أحمد وحيدي، مع استبعاد جميع الأسماء المطروحة، في إشارة إلى أن التعيينات الحساسة لم تعد تمر عبر الحكومة أصلاً.
تتقاطع هذه المعطيات مع ما خلص إليه معهد دراسة الحرب ومشروع التهديدات الحرجة، من أن الحرس الثوري وسّع نفوذه إلى درجة بات معها "صانع القرار الأول" في البلاد خلال الأزمة الحالية.
لم يكن صعود أحمد وحيدي طارئًا؛ فالرجل من الحلقة الأشد صلابة داخل الحرس الثوري. ووفق رويترز، فهو من قدامى حرب إيران - العراق، وقاد سابقًا "فيلق القدس"، قبل أن ينتقل إلى مواقع سيادية مثل وزارة الدفاع ثم الداخلية.
لكن الأهم من سيرته العسكرية هو سجله الأمني، فبحسب الإنتربول، صدرت بحقه نشرة حمراء منذ عام 2007 على خلفية اتهامه بالتورط في تفجير مركز "آميا" في الأرجنتين عام 1994. كما تؤكد وزارة الخزانة الأمريكية أنه أدى دورًا مباشرًا في قمع احتجاجات 2022، عبر إشرافه على قوات استخدمت القوة القاتلة ضد المتظاهرين.
هذه الخلفية تفسر لماذا يبدو وحيدي اليوم الخيار الأنسب لإدارة مرحلة تقوم على الأمن لا السياسة، وعلى الضبط لا التوازن.
تتحدث تسريبات "إيران إنترناشيونال" عن ما يشبه "مجلسًا عسكريًا" يقوده كبار قادة الحرس، يفرض طوقًا حول مجتبى خامنئي، ويحدّ من وصول الحكومة إليه.
ورغم صعوبة التحقق المستقل من هذه التفاصيل، فإنها تنسجم مع الاتجاه العام الذي رصدته رويترز ومراكز أبحاث غربية، والذي يفيد بأنه كلما اشتدت الحرب، تقلّصت مساحة القرار المدني، واتسعت قبضة الحرس الثوري.
في هذا السياق، يقول الخبير في الدراسات الأمنية والاستراتيجية إن "ما يجري في إيران لا يمكن وصفه بانقلاب تقليدي، بل إعادة تموضع للسلطة داخل النظام نفسه، حيث يتقدم الحرس الثوري لملء أي فراغ ناتج عن الحرب".
ويضيف أن "تصاعد الدور الأمني على حساب المؤسسات السياسية يعني عمليًا انتقال مركز القرار إلى بنية عسكرية مغلقة، حتى لو بقيت الواجهة الحكومية قائمة شكليًا".
في هذا المشهد، لا تبدو المشكلة في أن الحرس الثوري قوي، بل في أنه بات يملأ الفراغ بالكامل. فالرئيس لا يملك فرض قراراته، والمرشد الجديد تحيط به الضبابية، والمؤسسات الإدارية يجري تجاوزها لصالح بنية عسكرية - أمنية أكثر تماسكا.
وهنا يتحوّل السؤال مِن “من يحكم إيران؟” إلى: هل ما زالت تُحكم كدولة، أم تُدار كجهاز؟
قد لا يكون أحمد وحيدي الحاكم الرسمي لإيران، لكن الوقائع تشير إلى أنه بات الرجل الذي تمر عبره القرارات الأكثر حساسية.
ومع استمرار الحرب، يبدو أن هذا النموذج يتكرس أكثر، عبر سلطة تتركز في يد الحرس، وحكومة تتراجع، وبلد يُدار بعقلية عسكرية خالصة.
وفي لحظة كهذه، لا تحتاج إيران إلى إعلان انقلاب، فالانقلاب يحدث فعليًا، ولكن بصمت.