مع تصاعد العمليات العسكرية، وتكريس وقائع جديدة على الأرض، بات الخطاب الروسي أكثر وضوحًا وحسمًا، وقائمًا على فرض المعادلات بالقوة قبل الجلوس إلى أي طاولة تفاوض.
ويعد هذا النهج، رسالة مباشرة إلى كييف والغرب مفادها أن ميزان الصراع لم يعد قابلًا للتأويل.
وفي هذا السياق، أكد وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف أن المبادرة الإستراتيجية "بالكامل" باتت في يد الجيش الروسي، مشددًا على أن الموقف الروسي المبدئي لم يتغير، وأن على الغرب وأوكرانيا التعامل مع "الحقائق القائمة على الأرض".
وكشف الوزير الروسي أن هذه الحقائق تشمل السيطرة الروسية على نحو 19% من الأراضي الأوكرانية، وضم 4 مناطق إلى جانب شبه جزيرة القرم، معتبرًا أن أي مسار سياسي يتجاهل هذا الواقع محكوم عليه بالفشل.
وفي موازاة ذلك، صعّدت موسكو من لهجتها باتهام كييف بشن هجوم واسع بطائرات مسيّرة استهدف مقر إقامة الرئيس فلاديمير بوتين في منطقة نوفغورود، ووصفت الهجوم بأنه "إرهابي"، رغم تأكيدها إسقاط جميع الطائرات دون خسائر.
وأعلن لافروف أن هذا التطور يفرض مراجعة الموقف التفاوضي الروسي، مع التأكيد في الوقت نفسه على أن موسكو لا تنوي الانسحاب من مسار الاتصالات مع الولايات المتحدة، في خطوة تعكس استخدام التصعيد العسكري كورقة ضغط لا كبديل عن التفاوض.
في المقابل، رفض الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي الاتهامات الروسية، واصفًا إياها بأنها "مزيفة وخطيرة"، ومتهمًا موسكو بمحاولة تخريب أي جهد دبلوماسي لإنهاء الحرب.
وأكد زيلينسكي، أن "بلاده لا تزال متمسكة بخطة سلام شاملة، وأن معظم بنودها باتت محل توافق، لا سيما ما يتعلق بالضمانات الأمنية مع الولايات المتحدة"، في محاولة لإظهار أن كييف لم تُغلق الباب أمام التسوية رغم الضغوط الميدانية.
أما على الجانب الأمريكي، فأعلن الرئيس دونالد ترامب أن روسيا وأوكرانيا أصبحتا، أقرب من أي وقت مضى، إلى اتفاق سلام، مشيرًا إلى إحراز تقدم كبير في الملفات الأساسية، لكنه أقر في الوقت نفسه بأن قضية الأراضي تظل العقدة الأصعب في طريق التسوية.
وفي تعليقه على الهجوم المزعوم على مقر بوتين، أعرب ترامب عن غضبه، معتبرًا أن مثل هذه التطورات لا تخدم مسار التهدئة، وهو موقف فُهم على أنه رسالة غير مباشرة بضرورة ضبط إيقاع التصعيد في هذه المرحلة الحساسة من المفاوضات.
وفي هذا المشهد، تبدو "المبادرة الإستراتيجية"، كما تقول موسكو، سلاحًا سياسيًا بقدر ما هي أداة عسكرية، ويرى الخبراء أن تصريحات لافروف تعكس إصرار روسيا على التمسك بالمبادرة الإستراتيجية في أوكرانيا، عبر تحويل التفوق العسكري إلى أداة ضغط سياسي مباشر.
وأضاف الخبراء أن موسكو تستخدم السيطرة الميدانية لفرض معادلات تفاوضية جديدة، تقوم على إضعاف الخيارات السياسية والدبلوماسية أمام كييف، وإرسال رسائل ردع واضحة إلى أوروبا وأمريكا.
ورأى الدبلوماسي الأوكراني السابق فولوديمير شوماكوف، أن "روسيا باتت توظف الدور الأمريكي، والرئيس دونالد ترامب تحديدًا، كوسيط يخدم مصالحها الإستراتيجية"، معتبرًا أن الضغوط السياسية التي مورست على كييف، مؤخرًا، تعكس هذا التوجه.
وأشار شوماكوف في تصريح لـ"إرم نيوز" إلى أن "تصريحات ترامب الأخيرة بدت أقرب إلى السردية الروسية، وهو ما مثّل صدمة في الأوساط الأوكرانية، خاصة مع تجاهل واشنطن للقصف الروسي العنيف الذي استهدف مناطق مدنية".
وأضاف أن "هذا الصمت الأمريكي يتناقض مع المواقف السابقة التي اتهمت موسكو بارتكاب جرائم حرب"، مرجحًا أن يكون الهدف تفادي صدام سياسي مباشر مع روسيا في هذه المرحلة.
وشدد شوماكوف، على أن أي حديث عن تنازلات أوكرانية بشأن الأراضي مرفوض تمامًا، واصفًا المسار التفاوضي الحالي بأنه مجرد "مفاوضات لكسب الوقت"، تستخدمها موسكو للمراوغة، وتعزيز مكاسبها الميدانية.
وأوضح الدبلوماسي الأوكراني السابق، أن "الدعاية الروسية، بما في ذلك الترويج لروايات حول استهداف مقر بوتين، تندرج ضمن استراتيجية ضغط نفسي ودبلوماسي تهدف إلى ترسيخ صورة التفوق العسكري، والتأثير في مواقف المجتمع الدولي".
واعتبر أن "السيطرة العسكرية لا تُستخدم فقط في الميدان، بل كأداة سياسية لفرض شروط روسيا ورفع سقف مطالبها، مؤكدًا أن إنهاء الحرب لن يكون رهين شخص أو وسيط بعينه، بل بقرار دولي أوسع".
من جانبه، قال المحلل السياسي والخبير في الشؤون الروسية د. محمود الأفندي، إن "تصريحات لافروف عكست انتقال موسكو إلى مرحلة أكثر تشددًا، مدفوعة بتطورات ميدانية خطيرة شهدتها الأيام الأخيرة".
وشدد الأفندي في تصريحات خاصة لـ"إرم نيوز"، على أن "اللغة الروسية المرتفعة السقف تشير إلى تمسك واضح بزمام المبادرة الإستراتيجية، واعتبار أن مسار الصراع دخل مرحلة تغيير قواعد اللعبة".
وأشار إلى أن "استهداف مواقع حساسة مرتبطة بالقيادة الروسية شكّل، من وجهة نظر موسكو، دليلًا على غياب أي نية أوكرانية للتهدئة، ما دفع روسيا إلى رفع سقف أهدافها، من الاكتفاء بالمطالب الجغرافية والأمنية إلى التركيز على إسقاط النظام في كييف".
ولفت الأفندي، إلى أن "تصريحات ترامب التي وصفت الهجوم بالخطير تعكس إدراكًا أمريكيًا بأن الصراع تجاوز الخطوط السابقة".
وبيّن أن "موسكو باتت ترى أن السياسة والدبلوماسية لم تعودا أدوات فعالة في هذه المرحلة، بعد سنوات من المسارات التفاوضية غير المثمرة"، مؤكدًا أن السيطرة العسكرية أصبحت "وسيلة الضغط الأساسية"، ليس فقط على أوكرانيا، بل على أوروبا وأمريكا أيضًا.
واعتبر أن رسالة لافروف موجهة بوضوح إلى الغرب، ومفادها أن الحسم الميداني هو الطريق الوحيد لفرض الشروط الروسية، على أن يعود الحديث عن السياسة، لاحقًا، بعد تثبيت الوقائع على الأرض.