اتسع الحديث عن مضيق هرمز ليشمل أطرافًا جديدة تمتلك تجارب ميدانية مختلفة؛ إذ انتقل اسم أوكرانيا، خلال الأيام الماضية، من ساحة الحرب البحرية في البحر الأسود إلى سياق دولي أوسع، يرتبط بحماية الممرات التجارية العالمية.
وجاء هذا التحول متزامنا مع تحركات دبلوماسية وعسكرية وتقنية، شملت اتفاقيات تعاون، واجتماعات دولية موسعة، وتبادل خبرات في مجالات الدفاع البحري.
وقبل أيام، أعلن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، أن بلاده ستزود دول المنطقة بأسلحة وتكنولوجيا دفاعية، من بينها أنظمة قادرة على المساهمة في فتح مضيق هرمز.
وبعدها بـ24 ساعة، انعقد اجتماع دولي بحضور 40 دولة، بمبادرة بريطانية ومشاركة لبحث تأمين الملاحة في مضيق هرمز، وشاركت في الاجتماع دول من أوروبا وآسيا والشرق الأوسط وأفريقيا، إلى جانب منظمات دولية.
وكشف زيلينسكي عن مشاركة وزير الخارجية الأوكراني أندري سيبيها في هذا الاجتماع، مؤكدًا أن أوكرانيا تمتلك خبرة عملية في حماية وإعادة فتح الممرات البحرية، وأن بلاده مستعدة للنظر في كيفية تطبيق هذه الخبرة إذا قرر الشركاء التحرك.
وقالت وزيرة الداخلية البريطانية، إيفيت كوبر، إن التحالف يهدف إلى تعبئة الأدوات الدبلوماسية والاقتصادية لضمان فتح آمن ومستدام للمضيق.
وأكدت الدول المشاركة التزامها بالمساهمة في الجهود الدولية لضمان الملاحة، دون اتخاذ خطوات عسكرية، مع بحث فرض ضغوط سياسية واقتصادية عبر المؤسسات الدولية.
وفي المقابل، عبرت روسيا عن موقفها عبر تصريحات متعددة، إذ قال مستشار الكرملين يوري أوشاكوف إن المضيق مفتوح بالنسبة لبلاده.
وأكدت ماريا زاخاروفا، المتحدثة باسم الخارجية الروسية، أن أي تحالف دولي قد يجعل المشاركين أطرافًا في النزاع، مشددة على رفض نقل إدارة المضيق إلى جهات خارجية دون توافق إقليمي.
وعلى وقع تصريحات الانفتاح الأوكراني بالمشاركة في التحالف الدولي، يبقى السؤال الأهم، كيف دخلت كييف معادلة الملاحة الدولية على الرغم من انشغالها في الحرب الروسية؟
وأكد كامل حواش، المحلل السياسي والخبير في الشؤون الأوروبية، أن تحركات الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي تأتي في سياق سعي متواصل لإبقاء الملف الأوكراني حاضرًا في صدارة الاهتمام الدولي، خاصة في ظل تحوّل الأنظار تدريجيًا نحو ملفات أخرى مثل أمن الملاحة في مضيق هرمز.
وكشف في تصريح لـ"إرم نيوز" أن هذا التحول لا ينفصل عن محاولات كييف إثبات جدوى الدعم الغربي، عبر التأكيد على أن ما تحقق ميدانيًا يعكس استثمارا سياسيا وعسكريا ناجحا.
وأشار حواش إلى أن ما يجري اليوم يوازي، في طبيعته، التحولات التي شهدتها أوروبا مع بداية الحرب، حين أعادت دول كبرى مثل ألمانيا هيكلة اعتمادها على الطاقة الروسية.
وأضاف المحلل السياسي أن الحديث عن تحالف يضم نحو 40 طرفا لا يزال في طور التشكّل، ولم تتضح بعد ملامحه التنفيذية، خاصة فيما يتعلق بإمكانية الانتقال من التنسيق السياسي إلى خطوات ميدانية مثل نشر قطع بحرية أو فرض ترتيبات مباشرة لضمان بقاء المضيق مفتوحًا.
وأكد الخبير في الشؤون الأوروبية أن الباب لا يزال مفتوحا أمام مسار تفاوضي مع إيران، في ظل غياب انخراط مباشر لهذا التحالف في أي مواجهة عسكرية، وهو ما يمنح هذا الخيار مساحة للتحرك.
وأشار إلى أن أحد السيناريوهات المطروحة يتمثل في توظيف الخبرة الأوكرانية، خاصة في مجال الطائرات المسيّرة، ضمن دور استشاري أو تقني لدعم أمن الملاحة، دون الانخراط المباشر في العمليات.
وأوضح كامل حواش، أن هذا الطرح يعكس بداية مسار جديد، لكنه لا يزال في مراحله الأولى، مرجحًا أن أي تحولات حاسمة ستظل مرهونة بتطورات الميدان، وهو ما يجعل من المبكر الحديث عن تشغيل فعلي لتحالف دولي كامل المهام.
ومن جانبه، أشار هشام معتضد، الباحث الاستراتيجي، إلى أن مبادرة زيلينسكي بشأن تأمين الملاحة في مضيق هرمز تتجاوز بعدها الظاهري، ولا يمكن قراءتها كعرض تقني محدود، بل يجب تفكيكها ضمن إعادة تشكيل أوسع لمنظومة الأمن الدولي.
وأوضح في تصريح لـ"إرم نيوز"، أن ما يجري يعكس توجها نحو إدماج أوكرانيا كفاعل تنفيذي مرن داخل بنية أمنية جديدة، تعمل عند تقاطع المصالح الغربية دون أن يتحمل الغرب كلفة الانخراط المباشر، معتبرًا أن هذا النمط يعبر عن تحول في إدارة الأزمات عبر توظيف قوى متوسطة لتخفيف الاحتكاك بين القوى الكبرى.
وأشار معتضد إلى أن تراكم الخبرة الأوكرانية في البحر الأسود يتم تدويره استراتيجيًا ليصبح أداة قابلة للاستخدام في مسارح أخرى، هو ما يحول كييف من متلقّ للأمن إلى مزود به، ويمنحها وزنا جيوسياسيا إضافيا.
وقال الباحث الاستراتيجي، إن هذا التوجه يتقاطع مع رغبة أمريكية ضمنية، خاصة في ظل توجهات إدارة دونالد ترامب، لإعادة توزيع أعباء الأمن البحري عبر ما يمكن وصفه بـ"التدويل الوظيفي"، حيث تتولى أطراف متعددة تنفيذ المهام بدلًا من الانخراط الأمريكي المباشر.