يرى محللون أن الأزمة المتصاعدة بين الولايات المتحدة والدنمارك بشأن غرينلاند تعكس تحوّلًا أعمق في طبيعة الصراعات الدولية.
ويقول المحلل الدولي أندرسون ريفيرول، في تصريح لـ"إرم نيوز"، إن ما يجري حاليًّا يمثل "ديناميكية كلاسيكية للتنافس بين القوى العظمى، حيث لم يعد الصراع يقتصر على السيطرة الإقليمية، بل بات يركز بشكل متزايد على الوصول إلى الموارد الاستراتيجية".
وأضاف أن غرينلاند باتت تحتل موقعًا محوريًّا، سواء بسبب ثرواتها الطبيعية أو لقيمتها الجيوسياسية.
وفي تطور ينذر بتداعيات خطيرة على تماسك حلف شمال الأطلسي، حذّرت رئيسة الوزراء الدنماركية ميتي فريدريكسن من أن أي هجوم أمريكي على حليف داخل الناتو "سيوقف كل شيء، بما في ذلك الحلف نفسه، وبالتالي منظومة الأمن التي تأسست منذ نهاية الحرب العالمية الثانية".
وجاء هذا التحذير ردًّا على تصاعد تهديدات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالسيطرة على غرينلاند، الإقليم الدنماركي شبه المستقل والغني بالمعادن في القطب الشمالي.
وأثارت العملية الليلية التي نفذتها القوات الأمريكية في كاراكاس لاعتقال الزعيم الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته، فجر السبت، صدمة واسعة، وفاقمت المخاوف في كل من الدنمارك وغرينلاند. وبعد هذه العملية العسكرية، صعّد ترامب لهجته، قائلاً على متن طائرة الرئاسة، الأحد: "نحتاج غرينلاند من منظور الأمن القومي، والدنمارك لن تكون قادرة على ذلك".
وجاء هذا التصعيد عقب نشر كاتي ميلر، زوجة مستشار ترامب ستيفن ميلر، صورة لغرينلاند بألوان العلم الأمريكي مرفقة بعبارة "قريبًا". وردّ رئيس وزراء غرينلاند ينسن فريدريك نيلسن على المنشور واصفًا إياه بـ"عدم الاحترام"، ومضيفًا: "هذا يكفي الآن".
ووصف محللون الوضع في الدنمارك بأنه دخول في "وضع الأزمة الكاملة" بعد تصريحات ترامب. وقالت فريدريكسن، في تصريحات تلفزيونية، إنها ترى ضرورة أخذ الرئيس الأمريكي "على محمل الجد عندما يقول إنه يريد غرينلاند"، مؤكدة أنها "تحث الولايات المتحدة بشدة على وقف التهديدات ضد حليف تاريخي قريب".
وفي مؤشر على خطورة التطورات، أشار صحفي في قناة TV2 إلى أن فريدريكسن كانت ستستبعد سابقًا احتمال استيلاء أمريكي على غرينلاند، لكن حدة الخطاب بلغت الآن مستوى يجعلها مضطرة للاعتراف بإمكانية حدوث ذلك.
وسارعت دول أوروبية إلى إعلان دعمها للدنمارك. وقال رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر إن مستقبل غرينلاند "ليس لآخرين أن يقرروه"، فيما أعربت فرنسا عن "تضامنها" مع كوبنهاغن، مؤكدة أن "الحدود لا يمكن تغييرها بالقوة".
ومن ألمانيا، شدد وزير الخارجية يوهان فاديفول على أن غرينلاند "ستخضع من حيث المبدأ أيضًا لدفاع الناتو"، مشيرًا إلى أن الحلف سيناقش تعزيز دفاعاته هناك إذا دعت الحاجة.
لكن في المقابل، يجد القادة الأوروبيون أنفسهم في موقف بالغ الحساسية، إذ يتردد كثيرون في انتقاد ترامب علنًا، في ظل اعتمادهم الكبير على الولايات المتحدة في الدفاع العسكري، فضلًا عن مخاوفهم من تهديداته المتكررة بفرض رسوم جمركية إضافية.
وانتقد وزير الدفاع البريطاني السابق بن والاس هذا الحذر، معتبرًا أن "التهديدات غير مقبولة"، ومهاجمًا ما وصفه بـ"ضعف" بعض وزراء الحكومات الذين "لا يقولون شيئًا".
ولا تقتصر أهمية غرينلاند على موقعها الجغرافي النائي، إذ تقع على أقصر مسار محتمل للصواريخ بين روسيا والولايات المتحدة، وتضم قاعدة عسكرية أمريكية رئيسية. وتؤدي قاعدة بيتوفيك الفضائية، التي أُنشئت عام 1951 في شمال غرب الجزيرة، دورًا أساسيًّا في أنظمة الإنذار المبكر والدفاع الصاروخي ومراقبة الفضاء لصالح الولايات المتحدة والناتو.
وسخر ترامب من الجهود الدفاعية الدنماركية في غرينلاند، قائلاً: "هل تعلمون ما الذي فعلته الدنمارك مؤخرًا لتعزيز الأمن هناك؟ أضافوا زلاجة كلب واحدة أخرى"، مضيفًا أن "غرينلاند مغطاة بسفن روسية وصينية في كل مكان".
ووصف مجتبى رحمان، الخبير في مجموعة "يوراسيا" الاستشارية، أي تدخل أمريكي محتمل في غرينلاند بأنه "أكبر مصدر خطر على التحالف عبر الأطلسي، وعلى تماسك الناتو والاتحاد الأوروبي"، معتبرًا أنه قد يكون "أخطر حتى من الغزو الروسي لأوكرانيا".
كما حذر رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك من خطورة الوضع، وكتب على منصة "إكس": "لن يأخذ أحد أوروبا الضعيفة والمنقسمة على محمل الجد، لا عدو ولا حليف".
تكمن المفارقة الأساسية في أن عضوية الدنمارك في حلف الناتو تمنحها حماية المادة الخامسة، التي تنص على أن أي هجوم على عضو يُعد هجومًا على جميع الأعضاء. غير أن الولايات المتحدة، بوصفها أكبر مساهم في الحلف، ظلت تاريخيًّا الضامن الأساسي لهذا التعهد.
وقال ترامب إنه سيتعامل مع ملف غرينلاند "خلال نحو شهرين"، داعيًا الصحفيين إلى "الحديث عن غرينلاند بعد 20 يومًا"، دون تقديم تفاصيل إضافية.
وبين تهديدات غير مسبوقة لحليف داخل الناتو، وعملية عسكرية جريئة في فنزويلا، تواجه أوروبا سؤالًا وجوديًّا: هل يمكنها الاعتماد على واشنطن للدفاع عنها في وقت يلوّح فيه الرئيس الأمريكي نفسه بضم أراضٍ أوروبية؟ سؤال قد يرسم ملامح مستقبل النظام الأمني العالمي القائم منذ عام 1945.