logo
العالم

⁠800 مليار دولار مقابل الاستقرار.. كيف تشتري واشنطن السلام في أوكرانيا؟

قصف روسي لأحد المباني في العاصمة الأوكرانية كييفالمصدر: رويترز

تتصدر خطة إعادة إعمار  أوكرانيا بقيمة 800 مليار دولار واجهة النقاشات الدولية مع اقتراب انعقاد المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس خلال يناير 2026، وسط تساؤلات متزايدة حول ما إذا كانت هذه الخطة تمثل بوابة حقيقية للسلام أم أداة ضغط سياسية واقتصادية بيد واشنطن.

ووفقا لمعطيات معلنة، من المقرر أن يوقع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ونظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي اتفاقية إطار خلال أعمال المنتدى، تقوم على ما يعرف بخطة الازدهار الأمريكية الأوكرانية الهادفة إلى جمع 800 مليار دولار على مدار 10 سنوات عبر القروض الحكومية والمنح واستثمارات القطاع الخاص.

وأكد الرئيس الأوكراني في تصريحات سابقة مطلع يناير 2026 أن وثيقة الضمانات الأمنية مع الولايات المتحدة جاهزة للتوقيع، واصفا الخطة بأنها مسار للتعافي الاقتصادي وإعادة الوظائف وإحياء الحياة داخل أوكرانيا، بالتوازي مع مفاوضات حول اتفاقية تجارة حرة من دون رسوم جمركية مع أمريكا.

وتستند الخطة قانونيا إلى صفقة المعادن النادرة الموقعة عام 2025، والتي منحت المستثمرين الأمريكيين وصولا تفضيليا لمشاريع التعدين المستقبلية، وسط تأكيدات بمشاركة شركات كبرى مثل BlackRock، إلى جانب ائتلافات استثمارية مقربة من إدارة ترامب حصلت على عقود لاستغلال موارد استراتيجية مثل الليثيوم.

في المقابل، يبدي الاتحاد الأوروبي حذرا واضحا؛ إذ نصح قادته كييف بعدم التسرع في التوقيع، مع تحويل اللقاء من البيت الأبيض إلى دافوس، رغم موافقة بروكسل على تقديم 90 مليار يورو دعما لأوكرانيا خلال 2026 و2027.

وتواجه هذه الخطة انتقادات واسعة، حيث يرى محللون أن رقم 800 مليار دولار قد يكون سقفا تفاوضيا أكثر منه رقما واقعيا، خاصة مع تراجع بعض المبادرات الاستثمارية السابقة، وبقاء الخلافات الإقليمية في دونباس عقبة رئيسة أمام سلام شامل.

ووفقا للمراقبين، تعكس هذه التحركات تحولًا واضحًا في السياسة الأمريكية، مع تقليص المساعدات العسكرية المجانية والانتقال إلى نموذج قائم على بيع السلاح وربط السلام بمصالح اقتصادية طويلة الأمد، في محاولة لإعادة صياغة التحالف مع أوكرانيا بلغة الصفقات والاستثمار.

أكد الخبراء أن طرح 800 مليار دولار لإعادة إعمار أوكرانيا لا ينفصل عن محاولات أمريكية لشراء الاستقرار وفرض تسويات سياسية تخدم مصالح واشنطن الاستراتيجية. 

وأضاف الخبراء أن ربط السلام بالمساعدات المالية يفتح الباب أمام تنازلات سيادية خطيرة، ويمنح روسيا مكاسب استراتيجية طويلة المدى. 

وكشف الخبراء، أن حجم الدمار الفعلي يفوق المبالغ المطروحة في وقت تسعى فيه الولايات المتحدة إلى ترسيخ نفوذها في شرق أوروبا عبر سياسة الصفقات والضغوط وهو لا يضمن سلاما دائما بل يؤسس لصراعات مؤجلة.

في البداية، أكد إيفان يواس، مستشار مركز السياسات الخارجية الأوكراني، أن أحد أبرز الملفات المطروحة قبيل قمة دافوس يتمثل في الحديث عن اتفاق محتمل بين أوكرانيا والولايات المتحدة الأمريكية بشأن إعادة الإعمار، بتكلفة تقدر بنحو 800 مليار دولار.

وكشف في تصريح لـ«إرم نيوز" أن هذا الطرح لا يزال في إطار النقاشات النظرية، ولا يرتقي حتى الآن إلى مستوى خطة عملية قابلة للتنفيذ، مشيرًا إلى أن ما يجري تداوله يقتصر على تصريحات عامة حول جذب الاستثمارات والبحث عن مصادر تمويل، من دون وجود آليات واضحة تضمن تدفق هذه الأموال.

وأشار مستشار مركز السياسات الخارجية الأوكراني، إلى أن هذا الطرح ينظر إليه داخل أوكرانيا بوصفه محاولة غير مباشرة لشراء موافقة كييف على تقديم تنازلات مؤلمة، قد تصل إلى حد التخلي عن أجزاء من الأراضي الأوكرانية. 

وأوضح إيفان يواس، أن هذا الربط بين إعادة الإعمار والتنازل الإقليمي يثير قلقا واسعا داخل الأوساط السياسية؛ لأنه يمثل مساسا مباشرا بالسيادة الوطنية وخطرا استراتيجيا بعيد المدى.

وأضاف يواس أن السؤال الجوهري يتمثل في مدى استعداد أوكرانيا للدخول في مثل هذه الصفقات، مؤكدا أنه لا يرى وجود قبول أوكراني للتضحية بالأراضي مقابل وعود مالية غير مؤكدة. 

ولفت إلى أن مبلغ 800 مليار دولار لا يمثل ضمانة حقيقية، كونه يقوم على التزامات مستقبلية قد لا تتحقق على أرض الواقع.

وشدد مستشار مركز السياسات الخارجية الأوكراني، على أن أي تنازل إقليمي لصالح روسيا سيؤدي إلى تعزيز موقع موسكو العسكري والسياسي.

وأكد يواس، أن الأراضي التي قد تخسرها أوكرانيا ستمنح روسيا أفضلية استراتيجية خطيرة، وترفع احتمالات تجدد العدوان مستقبلا، خاصة وأن التجارب السابقة، سواء قبل عام 2014 أو بعد اتفاقيات مينسك تؤكد أن التعهدات الدولية لم تمنع روسيا من خرق الاتفاقات.

ولفت يواس إلى أن حجم الدمار الذي لحق بأوكرانيا يفوق كثيرا المبالغ المطروحة لإعادة الإعمار، خاصة وأن هناك تقديرات تحدثت عن خسائر تجاوزت 1.2 تريليون دولار، مرجحا ارتفاعها اليوم إلى ما يقارب 1.5 تريليون دولار. 

وأكد أن مبلغ 800 مليار دولار لا يمكن أن يشكل مبررا لأي تنازلات استراتيجية أو جغرافية، متوقعا أن يظل ملف إعادة الإعمار حاضرا في قمة دافوس من دون قرارات حاسمة؛ لأن قضايا السيادة والأمن القومي لا تحسم في منتديات اقتصادية.

من جانبه، أكد كارزان حميد، المحلل السياسي والخبير في الشؤون الأوروبية، أن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تنظر إلى العالم اليوم باعتباره ساحة مفتوحة للمساومة الاقتصادية والتجارية، سواء مع الحلفاء أو الخصوم، انطلاقا من قناعة راسخة لدى واشنطن بأنها تمتلك أدوات الضغط والتحكم في مسارات القرار الدولي.

وفي تصريحات لـ"إرم نيوز"، أوضح حميد أن الولايات المتحدة لا تسعى إلى تحقيق سلام دائم في أوكرانيا، بقدر ما تعمل على ترسيخ وجود استراتيجي متقدم في شرق أوروبا، عبر بناء قواعد عسكرية قريبة من الحدود الروسية، قبل أن تسبقها روسيا أو الصين إلى تلك المناطق. 

وتابع حميد: "توقيع ما عرف باتفاق المعادن بين كييف وواشنطن شكل نقطة تحول مفصلية؛ إذ فتح الباب أمام خضوع أوكراني متزايد للإملاءات الأمريكية".

وأضاف المحلل السياسي أن تعهدات ترامب بإنهاء الحرب لم تنعكس على أرض الواقع، حيث استمرت العمليات العسكرية، واتسع نطاق السيطرة الروسية على مناطق جديدة.

وأوضح الخبير في الشؤون الأوروبية، أن الاتحاد الأوروبي يمر بحالة ضعف وارتباك، في ظل تراجع قدرته على تقديم دعم إضافي لأوكرانيا، وتردده في الذهاب بالكامل خلف الولايات المتحدة وترك الملف بيد إدارة ترامب. 

ولفت إلى أن هذا الارتباك دفع أصواتا سياسية أوروبية إلى المطالبة بفتح قنوات تفاوض مباشرة مع موسكو، محذرا من أن استمرار الصراع يمثل خسارة استراتيجية واقتصادية كبرى لأوروبا.

وأشار حميد إلى مخاوف أوروبية متزايدة من أن يؤدي إصرار ترامب على الاستيلاء على جزيرة غرينلاند إلى إدراجها ضمن صفقات سياسية أوسع، سواء على حساب أوكرانيا أو الدنمارك. 

وأضاف كارزان حميد، أن مشروع إعادة إعمار أوكرانيا يمثل في جوهره مشروعا أمريكيا خالصا، في حين سيبقى الدور الأوروبي محدودا.

وأكد على أن السياسة الأمريكية لا تتغير بتغير الإدارات، بل تحكمها المصالح العليا لواشنطن، محذرا من أن تجاهل المسار الدبلوماسي سيضع أوروبا أمام خيارات مكلفة في عالم يعاد تشكيله بمنطق الصفقات والقوة.

 

logo
تابعونا على
جميع الحقوق محفوظة © 2025 شركة إرم ميديا - Erem Media FZ LLC