يسود شعور في محيط البيت الأبيض أن الرئيس دونالد ترامب يتوجه إلى رفض المقترح الإيراني الأحدث حول تسوية مقترحة لإنهاء الحرب من قبل الجانب الإيراني، عبر رسالة وصلت إلى البيت الأبيض من خلال الوسيط الباكستاني.
هذا الانطباع كان هو خلاصة الاجتماع الأحدث الذي دعا إليه الرئيس ترامب لأعضاء مجلس الأمن القومي في البيت الأبيض، للتشاور حول مستجدات المسار التفاوضي مع إيران وخيارات وخطوات الإدارة في المرحلة المقبلة.
وقالت مصادر مقربة من إدارة ترامب لـ"إرم نيوز" إن التوجه العام بين أعضاء المجلس انتهى إلى أن المقترح الإيراني لا يحقق المطالب الأمريكية التي يتمسك بها الرئيس ترامب منذ بدء الحرب الحالية في الشرق الأوسط، كما أنه يفتح الباب أمام مسار دبلوماسي طويل عبر تمديد مدد المفاوضات بين الجانبين، بتأجيل مناقشة الملف النووي الذي تراه واشنطن صلب الأزمة مع إيران.
الرئيس ترامب، وفي هذا السياق، كان قد جدد مطلع الأسبوع تأكيد موقف إدارته بقوله: "إن الإيرانيين يعرفون جيدًا ما هو المطلوب، وهو أمر واضح وبسيط، وهو أننا لن نسمح لإيران بامتلاك سلاح نووي".
وتضيف إلى ذلك المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولين ليفيت: "إن المقترح الإيراني لا يزال في مرحلة التقييم من قبل المختصين في البيت الأبيض ووزارة الخارجية، وهناك رد أمريكي سوف يتم إعلانه عندما تنتهي عمليات التقييم هذه".
في مقابل هذا التأكيد القديم الجديد من قبل الرئيس ترامب وكبار مسؤولي البيت الأبيض، يتمسك الإيرانيون بمعالجة سريعة وفورية لأزمة المضيق والحصار البحري كمدخل لمسار تفاوضي ينهي الحرب في المقام الأول، ثم بعد ذلك يفتح الباب أمام مسار تفاوضي لمناقشة الملف النووي منفصلًا عن الأزمة البحرية القائمة حاليًا بين البلدين.
هذا المقترح الإيراني يرى فيه المقربون من البيت الأبيض فصلًا للملفات عن بعضها من الجانب الإيراني، بل محاولة من الجانب الإيراني لإعادة ترتيب الأولويات بما يخدم الموقع التفاوضي الإيراني.
أي بتعبير آخر، هناك رغبة إيرانية بالتركيز الكامل على أزمة المضيق في المرحلة الحالية، وجعلها ورقتها التفاوضية الرابحة في سبيل التخلص من ضغوط الحصار البحري المفروض من قبل قوات البحرية الأمريكية على السواحل الإيرانية، في مقابل إرجاء الملف النووي لوقت لاحق مفتوح وغير محدد في آجاله ومساراته.
هذا التصور من الجانب الإيراني لا يتوافق تمامًا مع رغبة البيت الأبيض في التوصل إلى حلول سريعة تتعلق أولًا بالملف النووي عبر تسليم اليورانيوم المخصب وإخراجه من إيران، ذلك لأن الرؤية الأمريكية تجد في هذه المسألة الأولوية المركزية لأي تسوية دبلوماسية ممكنة مع إيران.
مع هذا التقييم السلبي الذي تقول به المتحدثة باسم البيت الأبيض: "إن أي اتفاق مع إيران يجب أن يراعي المصلحة الأمريكية"، و"لا" للمقترح الإيراني الجديد، باتت الخيارات محدودة أمام إدارة الرئيس ترامب.
هناك رهان جدي على الوساطة الباكستانية في هذه المفاوضات، ولكن ذلك أمر محفوف بالكثير من التحفظ بعد أن انتهت جولة نهاية الأسبوع الماضي إلى الفشل بسبب الإلغاء المزدوج من الجانبين.
ترامب وجد أنه لا فائدة، كما يقول، من إرسال كبار مساعديه إلى إسلام آباد في رحلة تستغرق ثمانية عشر ساعة ذهابًا وإيابًا دون الحصول على أي تقدم ملموس في المفاوضات.
الإيرانيون من جانبهم لا يرون هناك حاجة للذهاب إلى مفاوضات مباشرة مع الولايات المتحدة في الوقت الحاضر، مكتفين بتبادل الرسائل مع الوسيط الباكستاني.
ليس هناك ما يشير، في ضوء المعطيات الجديدة من المفاوضات، إلى وجود تقدم في الشكل أو في مضمون المفاوضات، بسبب اعتماد خيار المفاوضات غير المباشرة من الجانبين، ووجود مسافة هائلة في محتوى المفاوضات كما تراها واشنطن وطهران.
ووصف وزير الخارجية ماركو روبيو هذه الوضعية بالقول: "من الواضح أننا نتفاوض عبر وسائل الإعلام"، مضيفًا إلى ذلك إشارته إلى أن "العرض الإيراني الأحدث أفضل من العروض التي كانت قد وصلت إلى البيت الأبيض في وقت سابق".
المتفائلون هنا في واشنطن يستندون إلى سوابق التفاوض مع إيران، لأن التجربة أظهرت دائمًا أن المسارات التفاوضية لا تكون على خط مستقيم، وأن هناك عقبات كثيرة تمنع التوصل سريعًا إلى اتفاق، وقبل ذلك هناك حالات من الصعود والهبوط في المسار التفاوضي قبل التوصل إلى ما يشبه مخارج للاختلافات في وجهات النظر.
ويقولون أيضًا إن قرار رفع حواجز المدد الزمنية كان قرارًا مساعدًا للمسار التفاوضي، على اعتبار أنه كفيل برفع الضغوط الزمنية عن مفاوضي الجانبين، ويفتح الباب أمام استمرار جهود الوسيط الباكستاني في سبيل التقريب بين وجهات النظر.
هناك أصوات تعلن أن لا ثقة بإيران وفي أي مسعى دبلوماسي يمكن اتباعه معها؛ هناك حقيقة واحدة، وهي أن النظام الإيراني لا يريد التوصل إلى اتفاق عبر الاستجابة للمطالب الأمريكية، وأنه بصدد شراء المزيد من الوقت فقط عبر التمديد في الآجال وطرح أفكار لا تحقق المطالب الأمريكية، كما أن هذه المقترحات تحقق سعيه لإعادة التموضع في الداخل والاستعداد لمواجهة عسكرية محتملة في المرحلة المقبلة.
أكبر الأصوات التي ترتفع بين صقور الكونغرس في هذا الاتجاه هو صوت السيناتور ليندسي غراهام، المقرب جدًا من الرئيس ترامب، وهو من يعتقد أنه لا يجب الرهان على الثقة في النظام الإيراني، لأنه نجح في خداع الرؤساء الأمريكيين السابقين، ولكن هذا النظام، كما يقول السيناتور، لا يعرف أنه بصدد التعامل مع الرئيس ترامب الذي يختلف في نهجه العسكري والسياسي عن رؤساء الولايات المتحدة السابقين.
تقول المصادر المقربة من إدارة ترامب لـ"إرم نيوز" إن هذا الخيار لم يغب يومًا عن طاولة البحث بين أعضاء مجلس الأمن القومي خلال الاجتماعات الضيقة أو الموسعة، في وقت لا يزال فيه البنتاغون يسعى إلى الدفع بالمزيد من القوات إلى منطقة الشرق الأوسط لضمان الجاهزية القصوى في حال أقر الرئيس ترامب العودة مجددًا إلى استئناف العمليات العسكرية في أي لحظة يراها مناسبة.
هناك حالة من التردد لا تزال تؤجل الذهاب في هذا الاتجاه، وهي تلك المتعلقة بقلة التأييد الشعبي لاستمرار الولايات المتحدة في هذه الحرب، وتزايد حالات القلق بين الأمريكيين بسبب الارتفاع القياسي في أسعار الوقود في محطات البنزين، بمعدل يفوق الدولار الواحد لكل غالون كمعدل وطني، وبدولارين في بعض المدن والولايات من الساحل الغربي.
هذه المخاوف الداخلية تجعل من حسابات الإدارة معقدة في هذا الاتجاه، وهي التي سعت منذ الوهلة الأولى للرهان على استراتيجية تسويق فكرة العمليات العسكرية على أساس أنها سوف تكون سريعة زمنيًا ومحدودة في تكلفتها المالية والبشرية.
مضى حتى الآن ما يقارب العشرة أسابيع منذ بدء العمليات العسكرية في الشرق الأوسط، ولا تزال الأهداف الأمريكية التي تسمح للإدارة بإعلان انتهاء العمليات العسكرية أو النصر الكامل في هذه الحرب غير واضحة في نظر الأمريكيين.
إضافة إلى ذلك، لا يزال هناك تعثر واضح في المسار الدبلوماسي، مع وجود احتمال قوي مرة أخرى بالحاجة إلى تجديد العمليات العسكرية.