مع اقتراب موعد انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، المقرر عقدها في شباط/ نوفمبر من العام الجاري، تشهد الولايات المتحدة ظاهرة توافق الجمهوريين والديمقراطيين ضد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وذلك بتجاوزه "الخط الأحمر" وهو ما يعرف بالفصل بين السلطات، والاعتداء على صلاحيات جهة أخرى.
ولم يقف جانب واسع من الحزب الجمهوري "صامتاً" أمام الرئيس الذي دعموه ليس فقط للمجيء مجدداً إلى البيت الأبيض، ولكن في مواقف سياسية "صدامية" عدة أمام الديمقراطيين، ولكن مع الطرح التشريعي الذي ادعى أن الهدف منه "إصلاح النظام الانتخابي"، كانت حالة الرفض حاضرة من مؤيديه.
وشهدت الولايات المتحدة جدلاً دستورياً واسعاً، بعد دعوة ترامب لتأميم الانتخابات وسط رفض قانوني وتحذيرات من سابقة خطيرة، وسط اتهامات للرئيس الجمهوري بتجاوز صلاحياته وسلطاته، وهو الأمر الذي تكرر الفترة الأخيرة في أكثر من حالة.
وكان طرح ترامب مؤخراً، مبادرة تشريعية جديدة أطلق عليها اسم "قانون إنقاذ أمريكا"، داعيًا الحزب الجمهوري للقتال من أجل إقرارها، في خطوة تصعيدية تهدف إلى ما وصفه بـ"إصلاح النظام الانتخابي" الذي اعتبره "مزورًا ومضحكًا أمام العالم".
وزعم ترامب، تزوير الانتخابات الأمريكية وسرقتها من قبل جهات لم يحددها، محذراً من أنه بدون إصلاح الانتخابات فلن يبقى للأمريكيين بلد، حسب قوله، وكتب في منشور عبر منصته "تروث سوشال": "الانتخابات الأمريكية مزورة، مسروقة، ومثار سخرية في جميع أنحاء العالم. إما أن نصلحها، أو لن يبقى لنا بلد بعد الآن".
وحدد الإجراءات المطلوبة للتصويت وهي: "إبراز بطاقة هوية الناخب، إبراز ما يثبت الجنسية الأمريكية للتسجيل في الانتخابات، وعدم قبول التصويت عبر البريد إلا في حالات المرض، أو الإعاقة، أو الخدمة العسكرية، أو السفر".
وظهر جانب من الرفض الجمهوري لمبادرة ترامب، من خلال زعيم الأغلبية الجمهورية في مجلس الشيوخ السناتور جون ثون الذي قال:"لستُ مؤيداً لتسييس الانتخابات على المستوى الفيدرالي، أؤيد قوانين أكثر حزماً في شأن إثبات هوية الناخبين، واشتراط تقديم إثبات الجنسية في مراكز الاقتراع، لكن عندما يتعلق الأمر بصلاحية الولايات في إدارة الانتخابات، فإن ذلك مسألة دستورية".
ويقول النائب التنفيذي لرئيس جامعة سانت فينسنت الأمريكية والخبير في السياسات الأمريكية، الدكتور عابد الكشك، إن المشهد في اللحظات الحالية داخل الولايات المتحدة، يشهد محاولات واضحة من ترامب لإحداث تغييرات في مسارات السياسة الداخلية، وإعادة تشكيل مناطق النفوذ داخل النظام السياسي الأمريكي.
ويؤكد الكشك في تصريحات لـ"إرم نيوز"، أن الخلاف القائم حاليًا ليس عاديًا أو مؤقتًا، بل صدام مباشر بين الدولة الدستورية و"الشخصنة السياسية"، في ظل سعي ترامب لإمساك كل شيء بيده، خاصة من خلال دعوته إلى أن تكون إدارة الانتخابات في يد السلطة التنفيذية.
وبحسب الكشك فإن مثل هذه الطرح الذي يقدمه ترامب لا يخلق مناخًا من النزاهة الديمقراطية، بل يثير تساؤلات حقيقية حول سلامة العملية الانتخابية، في ظل عمله على تركيز القوة داخل السلطة التنفيذية بحكم موقعه.
وأشار الخبير في السياسات الأمريكية إلى أن مثل هذه التوجه من الرئيس الجمهوري، هو أمر لا يتوافق مع الأيديولوجية الأمريكية التي بُنيت عليها السياسات بالولايات المتحدة، سواء القديمة أو الحالية، والتي تقوم أساسًا على مبدأ الفصل بين السلطات.
وأضاف أن الديمقراطيين يقفون ضد هذا التوجه الذي يحاول ترامب اتخاذه، لأن ذلك يعني سيطرة كاملة للسلطة التنفيذية على الانتخابات، إلا أن الأمر الأكثر أهمية يتمثل في وجود حالة رفض داخل صفوف بعض الجمهوريين أنفسهم، حيث شهد الموقف انقلابًا نسبيًا لدى قطاع منهم تجاه هذا الطرح.
وبين أن سبب هذا الرفض يعود إلى طبيعة النظام الانتخابي الأمريكي، إذ إن نتائج الانتخابات غالبًا ما تُحسم في الولايات المتأرجحة، والتي قد تميل في وقت ما إلى الديمقراطيين أكثر من الجمهوريين، وبالتالي، فإن سيطرة السلطة التنفيذية على الولايات تثير مخاوف حقيقية لدى الجمهوريين من الممكن أن يستفيد أي رئيس ديمقراطي مستقبلي منها.
وذكر الكشك أن هناك اتفاقًا ولو جزئيًا، بين بعض الجمهوريين والديمقراطيين على أن هذا الرأي لا يتماشى مع الدستور الأمريكي ومبدأ الفصل بين السلطات والأسس الديمقراطية لاختيار الرئيس الولايات المتحدة مستقبليًا، ولكنه يرجح عودة الجمهوريون الرافضين للاصطفاف خلف ترامب لاحقاً.
واستكمل الخبير في السياسات الأمريكية أن ترامب يحاول افتعال أزمات ومشاكل في هذا التوقيت تحديدًا من أجل تشتيت الانتباه والابتعاد عن التركيز على أزمة أخرى جوهرية مثل مشكلة وثائق جيفري ابستين إلى جانب قضايا أخرى داخلية وخارجية.
بدوره، يوضح المختص في الشأن الأمريكي، أحمد محارم، أن ما أطلق عليه ترامب على أنه "قانون إنقاذ أمريكا" في ظل ما يدعيه بأنه يعمل على إصلاح النظام الانتخابي الذي وصفه بأنه مزور ومضحك للعالم، إقحام لنفسه في ما هو بعيد عن سلطاته وواجباته وأعماله المنوط بها.
واعتبر محارم في تصريحات لـ"إرم نيوز"، ترامب من خلال ما يريده مما وصف بـ"تأميم" الانتخابات، يستهدف 15 ولاية محسوبة على الديمقراطيين ويتم التصويت لهم هناك، حيث يدعي الرئيس الجمهوري بأن العملية الانتخابية في هذه الولايات، لا تدار بشكل جيد، وهو ما يعتبر بالأمر البعيد عن الواقع.
وأفاد محارم أن المادة الأولى من الدستور الأمريكي تشير بوضوح أن الكونغرس هو من ينظم العملية الانتخابية وليس الرئيس الذي يعتبر هذا الأمر بعيداً كل البعد عن سلطاته.
واستكمل أن ما يقدم عليه ترامب في هذا الشأن يزيد من دائرة المخاوف التي تتوسع وتسيطر مع الوقت على شريحة كبيرة من الشعب الأمريكي، ويجعلهم قلقين على مستقبل الحياة السياسية، في وقت بات الحديث عن أن الرئيس الجمهوري يريد أن يفرض نوعاً من السيطرة وكأنه ملك وليس رئيساً.
وبحسب المختص في الشأن الأمريكي فإن أعضاء الكونغرس سواء كانوا جمهوريين أو ديمقراطيين، لن يستطيعوا التجاوب مع مثل هذا الطلب "غير المنطقي" الذي يشبه تصرفات أخرى من ترامب، تقف أمامها الدوائر السياسية قبل الشارع كثيراً.
ويرى محارم أن موقف الجمهوريين بعدم التجاوب مع مثل هذا الطلب يعكس ما يجري من تحول نسبة ليست بالقليلة من أنصار الحزب في توجههم وميولهم السياسية تعبيراً عن عدم الرضا عن مجمل تصرفات ترامب.
وختم قائلاً، إن ما يجري من ترامب بهذا الشكل يضعف الحزب الجمهوري كثيراً لاسيما في في هذا التوقيت المهم ويجعل الحزب يخسر قاعدته الانتخابية في الشارع، مما يعتبر بمثابة "جرس إنذار" للرئيس.