لعقود طويلة، كان التهديد الأمريكي لحلفاء الناتو مُدرجاً ضمن خانة "المستحيل" في غرف التخطيط الاستراتيجي الأوروبية، احتمالا مستبعدا تماماً لا يستحق حتى الدراسة أو الاستعداد له.
لكن تهديدات الرئيس دونالد ترامب لكندا وغرينلاند كسرت هذه القاعدة الذهبية، وأطاحت بما يمكن تسميته "الطمأنينة الجيوسياسية" التي بُنيت عليها الاستراتيجية الغربية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
حذَّر تقرير صادم نشرته صحيفة "غلوب آند ميل" الكندية من أن كندا لم تعد قادرة على اعتبار تهديدات ترامب مجرد "تفاخر فارغ".
وأشار إلى أن ترامب أثبت، مراراً، تنفيذه لما كان يُعد مستحيلاً، وأن القوات المسلحة الكندية عادت بعد قرن كامل لوضع نماذج افتراضية للرد على هجوم أمريكي محتمل، في تحوّل دراماتيكي يعكس انهيار الثقة الأساسية بين الحلفاء.
وأكد الزميل الزائر في معهد كاسكيد والمستشار السابق لوزيري خارجية كنديين، آدم غوردون، لشبكة "سي بي إس"، أن هناك أدلة متزايدة تشير إلى خطر حقيقي من استخدام إدارة ترامب للإكراه العسكري ضد كندا.
وقال: "لم يعد بإمكاننا استبعاد فكرة أن يكون هناك استخدام للقوة أو التهديد باستخدامها، ونحن بحاجة للاستعداد لذلك".
الصدمة الأكبر كانت في أوروبا، التي وجدت نفسها فجأة مضطرة لإعادة التفكير في افتراضات أمنية ظلت راسخة لمدة 75 عاماً.
وشدد المحلل العسكري في الكلية الدنماركية للدفاع، أندرس بوك نيلسن، على أنه بات واضحاً أن الدنمارك لم تعد قادرة على الاعتماد على الولايات المتحدة، وأن المستقبل يكمن في تعاون دفاعي أوروبي من دون مشاركة أمريكية.
فيما أكد مفوض الاتحاد الأوروبي للدفاع والفضاء، أندريوس كوبيليوس، أن أي عمل عسكري أمريكي ضد غرينلاند سيعني نهاية حلف الناتو.
هذا التحذير ليس مجرد تصريح دبلوماسي، بل هو اعتراف صريح بأن الأساس الذي قام عليه الأمن الأوروبي لعقود قد تصدّع.
الرئيس السابق لمجلس العلاقات الخارجية، ريتشارد ن. هاس، أوضح أن الأوروبيين باتوا ينظرون إلى الولايات المتحدة كتهديد، ولم يعودوا يثقون بها، وأن تصرفات ترامب "تقلب رأساً على عقب" ما عملت عليه أمريكا على مدى 75 عاماً.
وأضاف أن هذا التحول من اعتبار أمريكا "الحامي المضمون" إلى "التهديد المحتمل" يمثل زلزالاً استراتيجياً في الوعي الأوروبي.
أما الباحثة البارزة في معهد أمريكان إنتربرايز، كوري شاك، فقد أكدت أن الأمر سيستغرق "جيلاً كاملاً" لإصلاح انهيار الثقة بين أقرب حلفاء الولايات المتحدة الذي تسبب به ترامب، لكن السؤال الأعمق: هل يمكن إصلاح ما تحطم؟
وتابعت: "حين تفقد أوروبا الثقة الأساسية في أن حليفها الرئيس لن يهددها عسكرياً، فإن كل الحسابات الاستراتيجية تتغير".
نجاح ترامب في الإطاحة بالرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، والسيطرة على موارد البلاد النفطية، عزز المخاوف الأوروبية.
وتقول الأستاذة في جامعة كارلتون والمحللة الأمنية السابقة للحكومة الكندية، ستيفاني كارفين، لوكالة "بلومبيرغ"، إنها تؤمن "الآن أكثر من أي وقت مضى" أن الولايات المتحدة مستعدة لتدمير اقتصادات حلفائها بما يناسب "نزوات الرئيس".
والمقال الذي انتشر بسرعة في الصحف الكندية هذا الأسبوع، نصح بـ"التعلم من دفاعات فنلندا ضد روسيا، وتوسيع قوة الدفاع المدني، وبناء استراتيجية وطنية للطائرات دون طيار مستوحاة من نموذج أوكرانيا، والتفكير فيما لا يُمكن تصوره".
هذه التوصيات، التي كانت ستبدو سخيفة قبل أشهر، باتت تُناقش بجدية مطلقة.
وحتى داخل الولايات المتحدة، تصاعدت الأصوات المحذرة، فقد حذر زعيم الجمهوريين السابق في مجلس الشيوخ لمدة 14 عاماً، ميتش ماكونيل، في خطاب أمام الكونغرس، من أن محاولات الاستيلاء على غرينلاند تعني "الدوس على سيادة واحترام وثقة حلفائنا"، وأن "استخدام القوة سيكون عملاً كارثياً من إيذاء الذات الاستراتيجي لأمريكا ونفوذها العالمي".

وذهب النائب الجمهوري، دون بيكون، إلى أبعد من ذلك، محذراً من أن غزو غرينلاند سيؤدي إلى عزل فوري لترامب بدعم جمهوري، مؤكداً أنه سيميل لعزل ترامب، وأن العديد من الجمهوريين غاضبون من تهديداته.
هذه الانقسامات الداخلية تعكس حجم الصدمة التي أحدثتها سياسات ترامب حتى داخل حزبه.
ما يحدث، الآن، ليس مجرد أزمة دبلوماسية عابرة، بل إعادة أساسية لرسم الافتراضات التي قامت عليها الاستراتيجية الغربية.
وتدرك أوروبا أن "الطمأنينة الجيوسياسية" التي اعتمدت عليها لعقود - اليقين بأن حليفها الأمريكي لن يشكل تهديداً وجودياً - لم تعد موجودة.
فالقارة العجوز تستيقظ على حقيقة قاسية: في عصر ترامب، لا يوجد حليف بعيد عن دائرة التهديد، ولا ثقة محصنة من الانهيار.
والتحول من اعتبار التهديد الأمريكي "مستحيلاً" إلى سيناريو يتطلب استعداداً عسكرياً وخططاً دفاعية، يمثل أحد أخطر التطورات في النظام الأمني الغربي منذ نهاية الحرب الباردة، فأوروبا لم تعد تتساءل: "هل يمكن أن تهددنا أمريكا؟"، بل "كيف نحمي أنفسنا إذا فعلت؟".