تشهد إيران سجالًا واسعًا بين الأوساط السياسية والاقتصادية؛ بسبب اختفاء ما يقارب 8 مليارات دولار من عائدات النفط، وسط تضارب التصريحات بين مسؤولين حكوميين ونواب في البرلمان.
وفتح هذا الملف الباب أمام تساؤلات جدية بشأن إدارة صادرات النفط الإيراني، وآليات تحصيل عائداته في ظل العقوبات والضغوط الاقتصادية المتصاعدة.
بدأت القضية تتصدر المشهد الإعلامي عقب تصريحات رئيس لجنة إعداد الموازنة في البرلمان الإيراني، غلام رضا تاجغردون، الذي كشف عن وجود فارق كبير بين قيمة النفط المباع وقيمة الأموال التي دخلت فعليًّا إلى البلاد.
وخلال مقابلة مع التلفزيون الرسمي الإيراني، أوضح تاجغردون أن إيران باعت نفطًا بقيمة 21 مليار دولار خلال ثمانية أشهر، لكنها لم تتسلم سوى 13 مليار دولار فقط، مشيرًا إلى أن 1.2 مليار دولار من هذا المبلغ تعود إلى العام السابق، ما يعني أن هناك فجوة تتراوح بين 7 - 8 مليارات دولار.
واعتبر تاجغردون هذا الرقم "كبيرًا ومقلقًا"، محذرًا من أن تأخير دخول العائدات النفطية إلى البنك المركزي ينعكس مباشرة على اضطراب سوق العملات، وشح السيولة، وصعوبة تأمين السلع الأساسية.
ولفت إلى أن هذه الفجوة أحد أسباب القلق الاقتصادي المتزايد داخل البلاد.
في المقابل، سارعت شركة النفط الوطنية الإيرانية إلى نفي هذه الرواية.
وقال المدير المالي للشركة، بهزاد شمسي، إن الحديث عن عدم عودة 8 مليارات دولار "غير دقيق، ولا يستند إلى بيانات مالية حقيقية".
وأكد شمسي، اليوم الخميس، أن "الجهة الوحيدة المخوّلة قانونيًّا بالوصول الكامل إلى أرقام صادرات النفط وعائداتها هي شركة النفط الوطنية"، موضحًا أن ما يجري تداوله "سوء فهم لطبيعة العمليات التجارية في قطاع الطاقة".
وأضاف أن جزءًا من العائدات يتم تحصيله فوريًّا، في حين يُترك جزء آخر ضمن آجال تسوية طبيعية، مشيرًا إلى أن "مبلغًا يقارب ملياري دولار لا يزال قيد التسوية التشغيلية، ومن المتوقع تحصيله خلال شهرين إلى ثلاثة أشهر".
وشدد المسؤول الإيراني على أنه "لا توجد أي مطالبات راكدة أو مجمّدة"، مؤكدًا أن أي تأخير محدود يعود إلى مشاكل مالية لدى بعض المشترين، وهي "ضمن نطاق مئات ملايين الدولارات فقط، وقد جرى التعامل معها عبر ضمانات مصرفية".
وبالتوازي مع هذا السجال، دخل ملف بيع النفط عبر شركات الوساطة على خط الأزمة، فقد طالب أعضاء في لجنة المادة 90 البرلمانية وزارة النفط بتقديم توضيحات شفافة حول أسباب تأخير أو عدم عودة بعض عائدات النفط.
وأشار نواب في اللجنة إلى أن وزارة النفط مطالبة بالحصول على ضمانات مصرفية صارمة من هذه الشركات، متسائلين عن جدوى الاعتماد على وسطاء "إذا كانت عائدات النفط لا تعود في الوقت المحدد".
ويرى مراقبون أن هذا الملف يعكس تعقيدات الالتفاف على العقوبات، حيث تعتمد إيران على شبكات بيع غير تقليدية، ما يزيد من مخاطر التأخير، وتضارب الأرقام، وغياب الشفافية الكاملة.
ولا يقتصر الخلاف على أرقام مالية فحسب، بل يتجاوز ذلك إلى أزمة ثقة داخل مؤسسات الدولة، فالتناقض العلني بين الحكومة والبرلمان بشأن مليارات الدولارات من عائدات النفط يسلّط الضوء على هشاشة التنسيق المؤسسي.
يأتي ذلك في وقت تواجه فيه إيران تحديات اقتصادية حادة، من تضخم مرتفع إلى تراجع القدرة الشرائية واضطراب سوق العملة.
ويرى خبراء اقتصاديون أن تباطؤ عودة العائدات النفطية سواء كان مؤقتًا أو هيكليًّا يضعف قدرة الحكومة على تمويل الموازنة، ودعم السلع الأساسية، والسيطرة على سوق الصرف، ما قد يؤدي إلى مزيد من التوتر الاجتماعي.
وبين نفي الحكومة وتأكيد البرلمان، تبدو قصة الـ8 مليارات دولار أكثر من مجرد خلاف حسابي، بل مرآة لأزمة أعمق في إدارة الاقتصاد النفطي الإيراني، في وقت لم يعد فيه النفط وحده قادرًا على إخفاء اختلالات الاقتصاد أو تهدئة القلق الشعبي المتزايد.