شكّل عام 2025، الأول في الولاية الثانية للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، نموذجاً غير مسبوق في توظيف خطاب "الأزمات" لتوسيع صلاحيات الرئاسة.
فمن الهجرة والتجارة إلى الطاقة والحرب على المخدرات، قدّم ترامب معظم أجندته السياسية على أنها ردّ عاجل على "حالات طوارئ" متداخلة؛ ما فتح نقاشاً دستورياً وقانونياً واسعاً حول حدود السلطة التنفيذية ومستقبل التوازن بين المؤسسات في الولايات المتحدة.
منذ اليوم الأول لعودته إلى البيت الأبيض، رسّخ ترامب نبرة الأزمة. ففي أمر تنفيذي واسع، وصف العبور غير النظامي على الحدود الجنوبية بأنه هجوم على "سيادة أمريكا"؛ ما أتاح له تعليق التزامات اللجوء، وتعزيز الوجود العسكري، والاستيلاء على أراضٍ فيدرالية.
ولم يقتصر الأمر على الهجرة غير النظامية، بل امتد ليشمل تصنيف عصابات مثل "ترين دي أراغوا" و"إم إس-13" كمنظمات إرهابية أجنبية بموجب قانون سلطات الطوارئ الاقتصادية الدولية؛ وهو ما استُخدم لاحقاً للالتفاف على ضمانات الإجراءات القانونية في حملات الترحيل الجماعي.
في السياق نفسه، أعلن ترامب حالة طوارئ في قطاع الطاقة لتجاوز اللوائح البيئية، ثم لجأ إلى منطق الطوارئ لتبرير فرض تعريفات جمركية واسعة النطاق.
وبلغ هذا التوجه ذروته في أبريل، عندما فرض تعريفات متبادلة شاملة على معظم الشركاء التجاريين للولايات المتحدة، مستنداً إلى تفسير موسّع للقوانين الطارئة، رغم غياب حدث محفّز واضح يبرر هذا الإجراء وفق المعايير التقليدية للأمن القومي.
أعاد نهج ترامب إحياء جدل قديم حول طبيعة الصلاحيات الرئاسية في أوقات الأزمات. فالدستور الأمريكي لا يمنح الرئيس تفويضاً عاماً لسلطات الطوارئ، لكن الكونغرس سنّ عبر العقود قوانين محددة تسمح بتوسيع النفوذ التنفيذي في ظروف بعينها.
ما ميّز ولاية ترامب الثانية، بحسب خبراء قانونيين، هو استخدام هذه القوانين لتبرير أجندة سياسية شبه كاملة، بل وتجاوز الصلاحيات المنصوص عليها أصلاً.
حتى نهاية 2025، لم يُبدِ الكونغرس، الخاضع لسيطرة الجمهوريين، رغبة جدية في كبح الرئيس.
أما القضاء، فقد قدّم "صورة مختلطة": بعض المحاكم الفيدرالية قيّدت انتشار الحرس الوطني أو علّقت أجزاء من سياسات الترحيل، في حين تركت المحكمة العليا أسئلة محورية دون حسم، مع ميل بعض قضاتها المحافظين إلى "نظرية السلطة التنفيذية الموحدة" التي تمنح الرئيس نفوذاً واسعاً على مؤسسات الدولة.
وتُعد القضايا المعروضة على المحكمة العليا – من قانونية التعريفات الجمركية إلى حق الرئيس في إقالة رؤساء الوكالات المستقلة – مؤشراً على أن عام 2026 قد يكون حاسماً في رسم حدود هذه السلطة.
لم تقتصر "حالات الطوارئ" على الداخل. ففي نهاية العام، شنّت الولايات المتحدة ضربات عسكرية على قوارب تهريب مخدرات يُشتبه بقدومها من فنزويلا، في إطار ما سمّته الإدارة مواجهة "إرهابيي المخدرات".
رافق ذلك خطاب تصعيدي، شمل إعادة توصيف المخدرات كـ"أسلحة دمار شامل"، والتلويح بعمليات برية، في تناقض واضح مع وعود ترامب الانتخابية بإنهاء الحروب لا إشعالها.
داخلياً، بدأت ملامح الحذر الشعبي بالظهور. فقد أظهرت استطلاعات رأي أن غالبية الأمريكيين تعتقد أن ترامب يبالغ في استخدام صلاحياته، فيما تراجعت معدلات تأييده تدريجياً.
ومع اقتراب انتخابات التجديد النصفي لعام 2026، يُتوقع أن تتحول مسألة "الطوارئ الدائمة" إلى محور أساسي في الصراع السياسي، ليس فقط حول نتائج سياسات ترامب، بل حول النهج نفسه في الحكم.
يعكس عام 2025 تحوّلاً نوعياً في ممارسة السلطة الرئاسية الأمريكية، حيث بات خطاب الأزمة أداة مركزية للحكم. وبينما يرى أنصار ترامب في ذلك حسمًا ضروريًا لمواجهة تحديات معقّدة، يحذّر منتقدوه من سابقة قد تُعيد تعريف الرئاسة الأمريكية على حساب الكونغرس والقضاء.
ويبقى السؤال مفتوحاً؛ هل ستُقابل هذه المقاربة بالقبول الشعبي والمؤسسي، أم ستدفع النظام السياسي الأمريكي إلى لحظة تصحيح حاسمة في السنوات المقبلة؟.