logo
العالم

بين مطامع ترامب والنزعة الانفصالية.. كندا تواجه 3 سيناريوهات خطيرة

الرئيس الأمريكي دونالد ترامبالمصدر: رويترز

تعيشُ كندا حاليًا واحدة من أصعب وأعسر المراحل السياسية على الإطلاق، حيث باتت تقريبًا بين مطرقة مطامع إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالضمّ والإلحاق، وبين سندان الطّموحات الانفصالية ل3 مقاطعات كبرى وهي "ألبرتا" و"كيبك" و"ساسكاتشوان"، الأمر الذّي يُهدّد وجودها ويتهدّد وحدتها. 

وأثارت تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن رغبته في جعل كندا بمثابة المقاطعة رقم 51 من جملة المقاطعات الأمريكية، غضبا واسعا لدى الكنديين الذين اعتبروا التصريح استقواء سياسيا واستراتيجيا وعسكريا من قوة نووية ضدّ دولة جارة مسالمة لم تشكل في يوم من الأيام خطرا أمنيا على واشنطن.

دق ناقوس الخطر

وأوردت مصادر إعلامية كندية بأنّه من الضروري أن يأخذ المسؤولون الكنديون الإشارات الأمريكية محمل الجدّ، وأن ينظروا إلى المستجدات في فنزويلا وغرينلاند كخيط استراتيجي ناظم يعبر عن رغبة إدارة ترامب في بسط الهيمنة والسيطرة على الجزء الغربي من الكرة الأرضية، تكريسا لمبدأ "مونرو"، وتطبيقا للعقيدة الأمنية الاستراتيجية الجديدة. 

أخبار ذات علاقة

الرئيس الصيني شي ورئيس الوزراء الكندي كارني.

كارني إلى بكين.. اقتصاد كندا أولاً "حتى لو أغضب الحليف الأمريكي"

ودقت الصحف الكندية في أعدادها الأخيرة ناقوس الخطر حيال التصعيد الأمريكي، مرجحة لجوء ترامب لخيار "الإكراه العسكري" ضدّ الاتحاد الفيدرالي الكندي، قائلة في بعض المقالات الافتتاحية "تعلموا من دفاعات فنلندا، وسّعوا قوات الدفاع المدني، وابنوا استراتيجية وطنية للطائرات المسيّرة، وفكّروا فيما لا يمكن تصوّره".  

ونقلت مصادر إعلامية كندية عن مجموعة من الأكاديميين المرموقين دعوتهم إلى تجاوز التصورات السابقة والنمطية عن الإدارات الأمريكية من حيث احترامها للقانون الدولي وللعلاقات الدولية، وبناء استراتيجيات جديدة وفق واقع إدارة الرئيس ترامب.
ونسبت إلى الأكاديمي توماس هومر ديكسون قوله: "الأمر كله يتعلق بتغيير الحسابات إذا كانت هناك محاولة لاستخدام القوة العسكرية ضدّنا فيجب أن يكون الأمر واضحا بالنسبة للأمريكيين وللجميع بأنه سيكون مكلفا للغاية".

وتشير التقديرات السياسية من أوتاوا إلى ضرورة رفع حالة التأهب القصوى إزاء الخطوات الأمريكية القادمة، معتبرة أنّ الأنظار متوجهة اليوم إلى غرينلاند التي تعتبر مقياس ومعيار ما سوف تفضي إلى الأوضاع في كندا.

غرينلاند المقدمة، وكندا النهاية

وتعتبر التقديرات أنّه في حال ما أقدمت واشنطن على عملية عسكرية في غرينلاند، فإنّ كندا ستكون حتما المحطة التالية.  
وتُبنى هذه التصورات الاستراتيجية الكندية على عدّة اعتبارات من بينها التقارب الجغرافي بين غرينلاند وكندا فهما يتشاركان المجال القطبي الشمالي، ويتشاركان أيضا العضوية في الحلف الأطلسي، (المقصود هنا الدنمارك وكندا)، ويتمتعان بثروات تعدينية وطاقية هائلة تحتاجها الولايات المتحدة الأمريكية.

ولئن كان من الصّعب نسبيا قياس الحالة الكندية على الحالة الفنزويلية، بالنظر لاعتبارات التاريخ والسياسة والتمايز الجغرافيّ، فإنّ التقارب الشديد بين غرينلاند وكندا، يجعل من المستجدات الأمنية والعسكرية في الجزيرة القطبية بمثابة المقدمات الصحيحة لما يمكن ان تؤول إليه الأوضاع في كندا، سواء أكان تصعيدا عسكريا أو جنوحا إلى التهدئة والسلم. 
ودافعت أوتاوا مؤخرا عن سيادة الدنمارك على أرضها وعلى إقليمها القطبي، ضدّ التهديدات الأمريكية المتسارعة، غير أنّها لم تشر لا من قريب ولا من بعيد إلى الوضعية في كندا.

سيناريوهات أمريكية

في هذا السياق الاستراتيجي يؤكد الخبراء والمتابعون للشأن الأمريكي أنّه وإن كان الخيار العسكري الأمريكي ضدّ كندا، بات غير مستبعد من التحليل ومن إمكانيات الحصول، فإنّ الهدف الأساس لواشنطن يبقى الثروات الباطنية من "نفط" و"غاز"، وهي ثروات تريد واشنطن أن تكون أكثر تدفقا وأقلّ تكلفة.

وهو مطمع أمريكي قد تتوسل إليه واشنطن من خلال 3 سيناريوهات كبرى، الأوّل العملية العسكرية الشاملة لضمّ كندا وهو سيناريو مستبعد – وليس مستحيلا- بالنظر لشساعة البلاد وقوتّها العسكرية ووجود معارضة ديمقراطية وحتى جمهوريّة لخيار الغزو، الثّاني تشجيع الحركات الانفصالية في "ألبرتا" الغنية بالنفط والغاز للانفصال عن أوتاوا، وبالتالي الحصول على الموارد الطاقية بشروط أيسر وبمستويات أوفر.

أما السيناريو الثالث، فيتمثل في استثمار مناخ الضغوط السياسية القائمة على أوتاوا، لفرض رسوم جمركية جديدة وإعادة التفاوض على اتفاقية "نافتا"، وضمان تدفق أمثل للنفط والغاز بشروط أمريكية خالصة.

وأيا كان السيناريو الأرجح، فإنّ حالة من القلق والتململ تسود النخبة السياسية الحاكمة والمعارضة في أوتاوا، حيال ساكن البيت الأبيض الجديد الذي يصرّح علنا أنّه يستند إلى أخلاقه لا إلى القانون الدولي في التعامل مع الدول الأخرى. 
الدعوات الانفصالية

بموازاة التهديد الأمريكي المتعاظم، يبرز خطر آخر لا يقل ضراوة عنه، متمثل في تصاعد الدعوات الانفصالية في مقاطعات "ألبرتا"و"كيبك" و"ساسكاتشوان"، الأمر الذي قد ينذر بتفكيك الاتحاد الفيدرالي الكندي. 

وأعلنت هيئة الانتخابات في "ألبرتا" مؤخرا عن حصول مجموعة تطلق على نفسها تسمية "مشروع ازدهار ألبرتا" على الموافقة لبد جمع التوقيعات اللازمة لإطلاق استفتاء حول انفصال المقاطعة عن كندا.

وقُدّمت للقائمين على المبادرة مهلة إلى الثاني من مايو 2026 لجمع 177.732 إمضاء، أي ما يعادل حصّة العُشر من إجمالي الأصوات المجمعة في الانتخابات الإقليمية الأخيرة لسنة 2023.

وكانت رئيسة حكومة ألبرتا، دتانييل سميث قد وعدت في ماي الفارط، بإجراء استفتاء حول انفصال المقاطعة عن كندا في عام 2025إذا تمكن المواطنون من جمع التوقيعات اللازمة على عريضة بهذا الشأن.

وأوضحت أنها ترغب في أن ترى ألبرتا “ذات سيادة” ضمن كندا الموحدة، لكنها اعترفت بأن هناك عددا متزايدا من سكان ألبرتا غير الراضين عن الاتحاد الكندي، ويسعون من خلال العرائض للدفع نحو الانفصال.

ووفقا للمراقبين فإنّ سميث تعتبر من كبار معارضي ومعارضات السياسات الرسمية للحكومة الفيدرالية حيال "ألبرتا"، صحيح انّها لم تدعُ إلى الانفصال بصراحة، ولكنها في المقابل كانت وراء خفض سقف كوتا الأصوات اللازمة تجميعها لإجراء الاستفتاء على الانفصال من 20 في المائة إلى 10 في المائة.  

وتتهم سميث الحكومة الفيدرالية بفرض سياسات معادية على ألبرتا، إذ أنها لم تقتصر على سحب نصيب غير عادل من ثروات المقاطعة، بل أضرت بشكل كبير بالصناعات البترولية والغازية التي تشكل العمود الفقري لاقتصاد المقاطعة.

كما ترأست لجنة جديدة أسمتها "ألبرتا ناكست Alberta Next" لعقد جلسات استماع في أنحاء المقاطعة لجمع أفكار وشكاوى السكان، وطرح بعض هذه الأفكار للاستفتاء في العام الجاري. 

ولئن كان من المتعذّر دستوريا وقانونيا ترجيح فرضية انفصال "ألبرتا" على كندا، وذلك بالنظر لضرورة نيله موافقة باقي المقاطعات الكندية التسعة للمصادقة عليه، فإنّ مثل هذه الدعوات الانفصالية في حال تحوّلت إلى فعل سياسي انتخابي، فإنه من المرجح أن تنتقل العدوى إلى كافة الأقاليم الأخرى.

أثر كرة الثلج

ويحذر المراقبون والمتابعون من أثر كرة الثلج لمثل هذه الدعوات الانفصالية، والتي تتحول بمقتضى التقسيم غير العادل للثروات، وبمقتضى الدعم الخارجي لها، إلى واقع يفرض نفسه على الاتحاد الكندي ويجبر أوتاوا على التعامل معه كمعطى سياسي وثقافي وشعبي يبتغي فقط تقنينه ودسترته.

وتمثل مقاطعة "ألبرتا" نحو 85 في المائة من احتياطات كندا النفطية، وفي حال خسارتها ستفقد أوتاوا هذا الخزان الاحتياطي الكبير من البترول ومعه نسبة كبيرة في الناتج المحلي الإجمالي.    

أمّا في مقاطعة "كيبك"، فإنّ فرضيات فوز الحزب الكيبكي الانفصالي في انتخابات العامة والمقرر خوضها في أكتوبر/ تشرين الأول 2026 باتت جدّ قوية.

وأظهر استطلاع لنوايا التصويت أجري في ديسمبر الفارط، أنّ الحزب بقيادة بول سان بيير بلاموندون مرشح للفوز بغالبية مريحة في الانتخابات العامة القادمة.

ويطرح بلاموندون تصورات لكيبك مستقلة ذات سيادة، تتمتع بعملة منفصلة وبعلاقات سياسية جدّ وثيقة مع الولايات المتحدة.  في الأثناء، تستعد أوتاوا لخطط مواجهة استفتاء ثالث على استقلال كيبك.  

وفي ساسكاتشوان، بدأت فرق ومجموعات مؤيدة للانفصال بجولة في المقاطعة لحث السكان على الانضمام إليهم.  
وخلال الفترة الأخيرة، عقد مشروع ساسكاتشوان بروسبيريتي “Saskatchewan Prosperity Project” عشرة لقاءات عامة في الكنائس والمراكز المدنية وقاعات المناسبات، جميعها رُوّج لها بشعار: “كيف سيبدو مستقبل ساسكاتشوان المستقلة؟”.

من الناحية القانونية، تُعد كندا واحدة من الدول القليلة التي لديها خارطة طريق رسمية لكيفية مطالبة المقاطعات بالاستقلال، ولكن المشكلة أن هذه الخارطة شبه مستحيلة التطبيق.

فوفقًا لقانون الوضوح الفيدرالي، لا يمكن لمقاطعة أن تغادر الاتحاد إلا إذا صوّت “أغلبية واضحة” من سكانها لصالح الانفصال في استفتاء، وحتى حينها، لا يتم الانفصال الكامل إلا بموافقة بالإجماع من المقاطعات التسع الأخرى

logo
تابعونا على
جميع الحقوق محفوظة © 2026 شركة إرم ميديا - Erem Media FZ LLC