رأى خبراء استراتيجيون ومختصون في العلاقات الدولية، أن التناقض داخل الإدارة الأمريكية حول إمكانية الوصول إلى اتفاق مع إيران، يأتي في إطار سياسة "الضغط الأقصى"، ويهدف إلى خلق ضغط زمني ونفسي يُربك الحسابات الإيرانية ويدفعها لتقديم تنازلات.
وبيّنوا لـ"إرم نيوز"، أن ذلك التناقض يندرج ضمن توزيع أدوار ويحمل تهديدا مباشرا لرفع سقف الضغط، وتشدد مؤسساتي لضبط شروط الاتفاق، كما يُشير إلى تفضيل واشنطن التخلص من النظام الإيراني، في ظل إدراك الإدارة الأمريكية أن الانخراط في أي حرب طويلة المدى ستكون له آثار سلبية جمة.
ويظهر التناقض الأمريكي جليًا حول إمكانية الوصول إلى اتفاق مع إيران، حيث يقول الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إنه من الممكن التوصل لاتفاق نووي خلال شهر، فيما يستبعد وزير خارجيته ماركو روبيو ذلك، ويرى صعوبة في تحقيق هذا الهدف.
وتسعى واشنطن للوصول إلى اتفاق مع طهران يشترط تفتيشا دوليا على مواقعها النووية في وقت أبدت فيه إيران مرونة مفاجئة في هذا الصدد، مما جعل مراقبين يرون أن إيران ستراهن في هذا الشق على "الشيطان يكمن في التفاصيل" والفوز بشروط مقابلة تتعلق برفع العقوبات عليها.
وكان قد أعلن أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، علي لاريجاني، أن "طهران مستعدة لمفاوضات نووية عادلة من شأنها معالجة المخاوف"، لافتًا إلى أن "إيران رفعت مستوى استعدادها وجاهزيتها، وهي مستعدة لمفاوضات نووية عادلة تعالج المخاوف دون المساس بأمنها".
وأكد أن "بلاده تقبل بإشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية في إطار معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية"، في حين اعتبر المدير العام للوكالة رافائيل غروسي، أن الاتفاق مع إيران بشأن عمليات التفتيش المرتبطة ببرنامجها النووي، ممكن لكنه "صعب للغاية".
ورأى الباحث في العلاقات الدولية الدكتور محمد أبو العينين، أن ما ترغب فيه إدارة ترامب ليس فقط الحصول على تنازلات من إيران فيما يتعلق بالبرنامج النووي وما يخص مواقعه وتفتيشها فقط، لا سيما أن الاتفاق الذي أبرم في 2015 المعروف بـ"5 + 1"، ظل يعمل بفاعلية كبيرة ضمن هذه المنظومة حتى 2018.
وأضاف لـ"إرم نيوز"، أن طهران كانت تلتزم بكافة الشروط الواردة في هذا الاتفاق ومنها تفتيش المواقع النووية ووضع أجهزة مراقبة بداخلها ولكن انقلاب إدارة ترامب تحت ضغط اللوبي الصهيوني، جاء بالخروج عن الاتفاق، رغم الرفض الأوروبي.
وأشار الباحث أبو العينين إلى أن إدارة ترامب تستحسن التخلص من النظام الإيراني واستبداله بآخر يحقق مصالح واشنطن ويرضي إسرائيل، ولكن هذا غير متاح نظرا لتراكم الأزمات التي لها علاقة بالنفوذ والحضور الأمريكي بالمجال الدولي.
واعتبر أن تراجع قدرة الولايات المتحدة على الوفاء بالتزاماتها في أكثر من مكان وانسحابها من المجتمع الدولي، دفع واشنطن إلى إعادة النظر في آلياتها لا سيما أن إدارة ترامب تدرك أن الانخراط في أي حرب طويلة المدى سيكون له أثر سلبي على شعبية الرئيس الجمهوري.
وتابع قائلًا: حتى هذه اللحظة يمكن أن تقبل الإدارة الأمريكية ببقاء النظام الإيراني وبنسبة تخصيب محدودة لليورانيوم، نظرا لأن إمكانيات العمل العسكري للتخلص من السلطة في طهران والبرنامج النووي شبه مستحيل لعدة أسباب.
وتطرق الباحث أبو العينين إلى الأسباب، التي منها أن العمل العسكري يقضي على القاعدة الانتخابية لترامب أو من سيأتي بعده من مجموعة "الماغا"، وذلك حال التورط في حرب طويلة المدى في إيران، لن تستطيع الولايات المتحدة الخروج منها.
ومن بين الأسباب أيضًا الدعم الروسي الصيني الذي يبدو أنه انتقل إلى درجة كبيرة اكتشفتها واشنطن بعد ال 14 من شهر كانون الثاني/يناير الماضي، عقب فشل المخطط الأمريكي للتخلص من النظام الإيراني عبر الدفع باضطرابات داخلية وتحركات جماهيرية تم السيطرة عليها من طهران.
ونوه الباحث أبو العينين إلى أن الإدارة الأمريكية يمكن أن تقبل بتخصيب محدود لليورانيوم، لأن البدائل غير حاضرة، في وقت يدرك فيه الإيرانيون أن لديهم غضبا داخليا من الممكن أن ينفجر ويؤثر على النظام ويعملون على تحقيق الحق الأدنى، الذي يمكن الوصول إليه ضمن اتفاق مقبول.
وذكر أن الملف النووي الإيراني قابل للتفاوض لدى طهران بنسبة تخصيب محدودة ولكن ما هو غير مقبول المساس بالصواريخ الباليستية طويلة المدى "الخط الأحمر"، التي تشكل أحد أهم أدوات الحماية للنظام.
بدوره، قال المحلل الاستراتيجي والخبير في الشؤون الأمريكية، ماهر عبد القادر، إن التناقض الأمريكي يأتي في سياق مسارين متوازيين على طهران ضمن "الضغط الأقصى"، الأول استعجالي تصعيدي والثاني حذر ومتشكك، في ظل اعتماد ترامب أسلوب المهلة القصيرة والتهديد بعواقب "كارثية" لدفع طهران نحو تنازلات سريعة، واضعاً خيارين واضحين، إما اتفاق عاجل أو تصعيد قاسٍ.
وأشار لـ"إرم نيوز"، إلى أن الهدف الأمريكي وراء ذلك هو خلق ضغط زمني ونفسي يُربك الحسابات الإيرانية ويدفعها لتقديم تنازلات، لافتا إلى أن ما يبدو تناقضا من قبل الإدارة الأمريكية، هو توزيع أدوار يحمل تهديدا مباشرا لرفع سقف الضغط، وتشدد مؤسساتي لضبط شروط الاتفاق.
وأوضح المحلل عبد القادر أن واشنطن تسعى للوصول إلى اتفاق مع طهران يشترط تفتيشا دوليا على مواقعها النووية في وقت أبدت فيه إيران مرونة مفاجئة حول ذلك، عبر الرهان على "الشيطان يكمن في التفاصيل" والشروط المقابلة.
وبيّن أن هناك مساحة لاتفاق يمكن أن يتضمّن إصلاحاً لنظام التفتيش الدولي على البرنامج النووي، ويجري الحديث عنه الآن بين واشنطن وطهران، لكن من الناحية العملية، فإن الفجوة لا تزال كبيرة بين شروط الولايات المتحدة في ذلك وما تطلبه إيران من حفظ السيادة النووية ورفع للعقوبات.
ورجح المحلل عبد القادر أن النتيجة المحتملة خلال الأسابيع المقبلة، للمفاوضات هي التوصل إلى اتفاق إطار مؤقت مرحلي يتضمن آليات مراقبة وتحقيق مرنة، وليس اتفاقاً شاملاً مكتمل التفاصيل، مشيرا إلى أن محادثات جنيف بمشاركة الوكالة الدولية يعكس رغبة في إعادة تفعيل آلية الرقابة على المواقع الإيرانية.
ونوه إلى أن تصريحات الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان حول الاستعداد لفتح مواقع نووية أمام التفتيش لإثبات الطابع السلمي للبرنامج، تعكس جانبا من رفض الطرفين في هذه المرحلة الانزلاق إلى مواجهة عسكرية.
وذكر المحلل عبد القادر، أن إدارة ترامب لا تسعى إلى إحياء اتفاق 2015 بصيغته السابقة، بل تطالب بنظام تفتيش موسع يسمح بدخول أي موقع، بما في ذلك العسكرية، وقيود صارمة على نسبة التخصيب، وترتيبات تمنع امتلاك بنية تحتية يمكن أن تقرّب إيران من العتبة النووية، مع اتفاق طويل الأمد يتجاوز الإطار المؤقت.
وأكد أن إيران أظهرت استعدادها لإجراء مناقشات وإن كانت تشدد أنها ستدافع عن "حقوقها النووية" ورفضت تخفيض التخصيب إلى الصفر، مع التركيز على رفع العقوبات بدلاً من تغيير شامل في البرنامج النووي.
ولفت عبد القادر إلى أن هناك قبولا مبدئيا لدى طهران بتوسيع التفتيش، لكن ضمن ضوابط تحافظ على السيادة مع رفض تفكيك كامل للبنية التحتية للتخصيب، واشتراط رفع ملموس للعقوبات الاقتصادية قبل تقديم تنازلات استراتيجية، وضمانات قانونية تمنع انسحابا أمريكيا جديدا من أي اتفاق.