يُعرف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بشغفه الكبير بعالم الاستخبارات، إذ يتابع مسلسل "مكتب الأساطير"، ويطالع تقارير الأجهزة الأمنية بنهم نادر بين رؤساء الجمهورية الخامسة، كما يدوّن ملاحظاته الشخصية على الملفات السرية، ويعقد اجتماعات دورية داخل مخبأ محصّن في قصر الإليزيه.
غير أن الواقع، في المقابل، يُظهر أن هذا الشغف بالاستخبارات لم يُقرّبه دائمًا من الحقيقة، بل أوقعه أحيانًا في فخ الأوهام.
وبحسب مجلة لكسبريس الفرنسية، فإن هذه الصورة الملتبسة يرسمها كتاب استقصائي صدر مؤخرًا بعنوان "جواسيس الرئيس.. أسرار وإخفاقات الاستخبارات في عهد ماكرون"، والذي أثار جدلًا واسعًا في فرنسا حول واحدة من أكثر العلاقات تعقيدًا في الجمهورية الخامسة: علاقة الرئيس بأجهزته السرية.
استضافت المجلة الصحفيَّين أنطوان إيزامبار وبيار غاستينو، المحررَين في موقع إنتلجنس أون لاين، ضمن بودكاست "وكر الجواسيس"، حيث عرضا تفاصيل تحقيق ميداني استند إلى وثائق سرية وشهادات غير مسبوقة.
وأكد الصحفيان أن الكتاب يكشف تلقي ماكرون يوميًا، عند الساعة السابعة مساءً، ما يُعرف بـ"الملف الأحمر"، وهو حزمة تتضمن نحو عشر مذكرات استخباراتية عالية السرية، تغطي تطورات الأوضاع في الكرملين وطهران، وأحيانًا داخل البيت الأبيض نفسه.
وأشار إيزامبار إلى أن ماكرون كان يردّ على هذه التقارير بملاحظات مكتوبة بخط يده، يطلب عبرها معلومات إضافية أو يقترح عمليات محددة، وهو أمر غير مألوف. إذ اعتاد العملاء، وفق قوله، على رؤساء لا يقرأون التقارير أصلًا؛ كما قال الرئيس الفرنسي الأسبق جاك شيراك ذات مرة لأول مدير استخبارات عيّنه: "الاستخبارات مصدر صداع لا أكثر".
وبعد شهر واحد فقط من توليه الرئاسة العام 2017، أجرى ماكرون تغييرات وصفها الكتاب بـ"الجذرية" داخل أجهزة الاستخبارات، شملت تبديل قياداتها وتوسيع كوادرها، وإطلاق مشاريع كبرى، من بينها نقل مقري المديرية العامة للأمن الخارجي والمديرية العامة للأمن الداخلي.
وانعكس ذلك على مستوى التمويل، إذ ارتفعت ميزانية الاستخبارات من 2.4 مليار يورو إلى 3.1 مليار يورو بين عامي 2017 و2023.
ورغم هذا الاستثمار الكبير، لم تتمكن الاستخبارات الفرنسية من تجنب أحد أبرز الإخفاقات الاستراتيجية في تاريخها الحديث. ويستهل الكتاب هذا الفصل بمشهد ليلة 23–24 فبراير 2022، حين أصدرت مديرية الاستخبارات العسكرية DRM تحذيرًا واضحًا، وأكدت الأقمار الصناعية التحركات، كما اعترضت واشنطن أوامر الاستعداد القتالي الروسية. لم يكن الغزو مفاجئًا للجميع، لكنه أطاح بقناعة لدى القيادة الفرنسية بأنها قادرة على "كبح" موسكو.
وجاءت إحدى أكثر اللحظات وقعًا في شهادة الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، الذي سأله ماكرون بصيغة بدت وكأنها بحث عن تأكيد: "إذن أنت لا تخشى هجومًا واسعًا في الساعات القادمة أو غدًا؟".
وبعد صمت، أجاب زيلينسكي بوضوح: "لأكون صريحًا معك يا إيمانويل، منذ أسابيع لا نكفّ عن إخبارك بأن الهجوم سيقع".
ويقرّ إيزامبار صراحةً بأن الحرب في أوكرانيا أظهرت عجز الاستخبارات الفرنسية، ولا سيما DGSE، عن استباق اندلاع الحرب، كما حدث أيضًا في سلسلة الانقلابات التي شهدتها دول أفريقية.
ويصف الكتاب الفصل الأفريقي بأنه الأكثر قسوة، إذ يكشف عن فجوة واضحة بين التفاؤل الدبلوماسي والواقع الميداني وتحذيرات خبراء أفريقيا داخل DGSE. ومع توالي الانقلابات، فقدت فرنسا زمام المبادرة، بينما عززت موسكو حضورها عبر مجموعة فاغنر، ما شكّل نقطة ضعف بارزة في جهاز استخباراتي يفاخر بانتشاره العالمي.
ولا ينتهي الكتاب بصورة قاتمة بالكامل. ففي مجال مكافحة الإرهاب، تمكنت الأجهزة الفرنسية منذ العام 2015 من إحباط 79 عملية إرهابية. وعلى صعيد الاستخبارات المضادة، جرى طرد نحو 60 جاسوسًا أجنبيًا من الأراضي الفرنسية منذ العام 2022. كما بات المواطنون الفرنسيون المشتبه بتخابرهم مع جهات معادية يواجهون ملاحقات قضائية بمعدل مرة إلى مرتين كل شهرين أو ثلاثة.
ويخلص الكتاب إلى أن ماكرون "يلعب بالنار وأحيانًا يحترق بها"، في ظل رئاسة تنزلق أحيانًا نحو تسييس الاستخبارات وتوظيفها لخدمة أجندات سياسية بدل تركها تعمل وفق منطقها المهني المستقل.
أما الخلاصة الأبرز، فهي أن الهوس بالاستخبارات لا يعني بالضرورة حسن استخدامها، وأن الرئيس الذي يجيد قراءة ملفات الجواسيس ليس بالضرورة قادرًا على الإصغاء إلى ما تقوله.