تتمتع السلطة في إيران، على أعلى المستويات داخل نظامها ودبلوماسييها والمفاوضين، بالمهارة القادرة على إبطال مفعول قرار توجيه التعامل العسكري معها من قبل الولايات المتحدة، في ظل تطوير مشروعها النووي وتخصيب اليورانيوم والطفرات في برنامجها الصاروخي الباليستي وما تمتلكه من أذرع تهدد استقرار دول المنطقة.
هذه العناصر الفعالة، التي يسردها خبراء قبل ساعات من انطلاق المفاوضات النووية بين أمريكا وإيران في العاصمة العُمانية مسقط، كثيرًا ما تجعل الولايات المتحدة تتخذ حالة الاستعداد للذهاب إلى التعامل العسكري، بعد محاولات ومواجهات علنية دبلوماسية والمبارزة بـ"الشعارات العدائية".
ومع اتخاذ واشنطن قرار الحسم، تقف الضربة عند العتبة الأخيرة، ويكون الفضل في ذلك لـ"المراوغة التكتيكية".
ومع حلول اجتماعات مسقط بين واشنطن وطهران، تصعد من جديد التساؤلات حول قدرة "المراوغة التكتيكية" المعتادة من نظام المرشد علي خامنئي، على الصمود أمام الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وحول مدى الاحتفاظ بصلاحية "مهارة النجاة القديمة"، التي رغم تكرار إيران لها، مضت الولايات المتحدة معها على الفور بالمفاوضات.
واحترفت إيران في الذهاب بالولايات المتحدة إلى مسار التفاوض، ليأخذ التجهيز وحضور الاجتماع وسط تداخل الأوراق وقتًا طويلًا، ومن ثم تكون المماطلة في شكل الاجتماعات وجدول الأعمال، وبعد ذلك تكون مرحلة "الممرات المتعددة" التي تكون فيها المراوغة عالية المستوى، الأمر الذي يرهق المفاوض الأمريكي الذي يفقد الأمل وتربح طهران بعنصر الوقت.
والدليل على ذلك، ما كشف عنه مؤخرًا مصدر مطلع في البيت الأبيض، قائلًا إنه على مدار العام الأول من الولاية الثانية للرئيس ترامب، جرت أكثر من 5 محاولات للتمهيد لمفاوضات مباشرة مع إيران، إلا أنها باءت جميعها بالفشل بسبب تعنت النظام الإيراني، رغم أن الاتصالات ومبادرات إبداء الرغبة كانت تنطلق من طهران التي أجادت "لعبة الوقت".

وبحسب خبراء في العلاقات الدولية، فإن مساحة نظام خامنئي في المناورة باتت محدودة، لأن الطرف الثاني هو ترامب، الذي لا يقبل باستراتيجيات النفس العميق أو السياسات طويلة الأمد، ويعتمد "السياسات الجراحية"، ويرفض المراوغات التي اشتهرت بها طهران.
وأوضح الخبراء، في تصريحات لـ"إرم نيوز"، أن النظام الإيراني بات كتابًا مفتوحًا في التفاوض، ليس فقط على مستوى إدارة الرئيس ترامب، ولكن على قدر الأجهزة الاستخباراتية والمراكز البحثية بالولايات المتحدة.
وفي هذا الإطار، يؤكد الخبير في الشأن الإيراني، الدكتور أحمد الياسري، أن مساحة نظام خامنئي في المناورة باتت محدودة، لأن الطرف الثاني ليس الديمقراطيين أو الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن، لكنه ترامب الذي لا يقبل باستراتيجيات النفس العميق، أو السياسات طويلة الأمد.
ووصف الياسري، في تصريح لـ"إرم نيوز"، ترامب بأنه رجل "مقصلي" بمعنى أنه يؤمن بـ"السياسات الجراحية"، ويرفض المراوغات التي اشتهرت بها طهران، والأمران لا يتفقان مع بعضهما البعض.
وأضاف أن المساحة أمام إيران ليست واسعة، لأن الشروط التي وضعها ترامب واضحة، وتتمثل بأن تتجرد طهران من أسلحتها، وأن تكون دولة تمتلك سلاح الاقتصاد والتأثير الناعم، أما الاعتماد على السلاح النووي والصواريخ، فهو غير مقبول بالنسبة للرئيس الجمهوري.
وبحسب الياسري، فإن ترامب يريد أن يحقق مكاسب تاريخية في ولايته الثانية على مستويات عدة، منها اقتصاديًا واستراتيجيًا، وفي صدارتها محاولة تحجيم انطلاق الصين، وإخضاع إيران، في ظل إيمانه بضرورة التمركز على الهوية الأمريكية.
واستطرد بالقول إن سياسات ترامب تصطدم مع الحلفاء والفرقاء على حد سواء، وحدود المناورة المقبولة أن تقوم إيران بتفاوض يحمل تنازلًا يرى فيه ساكن البيت الأبيض، حفظًا لماء الوجه، ويجنب الولايات المتحدة الحرب المفتوحة، ودون ذلك لا قيمة لمراوغة طهران.
ويعتقد الياسري أن هناك حتمية صدامية بين الطرفين، ورغم أن هذه النظرة تشاؤمية، لكن الأحداث وما تحمله تأتي بمواجهة منتظرة مهما قرب الموعد أو ابتعد، فهي قادمة لا محالة، لأن طهران إذا تنازلت لترامب، أسقطت نفسها بنفسها.
ويرى الياسري أن الوضع أقرب إلى سياسة حافة الهاوية ومرحلة إشعال الحريق في المنطقة، لافتًا إلى أن هناك فرقًا بين الرهان على الزمن والزمنية الممتدة، وهو ما تلعب عليه طهران على عكس ترامب الذي يمسك في يده الوقت، ويربط به تحقيق الأهداف.
وتابع: "إيران تريد أن تكون المواقيت الزمنية مفتوحة، وترامب يرغب في أن يكون الوقت محددًا وغير طويل، وهو ما يعكس الخلاف بين الطرفين الذي يعكس مفهوم الحتمية الصدامية".
من جانبه، يقول الباحث في الشأن الأمريكي، أحمد ياسين، إن السلطة في طهران والتي تحرك المفاوض الإيراني، ما بين إصلاحيين أو محافظين، باتت كتابًا مفتوحًا، ليس فقط على مستوى إدارة الرئيس ترامب، ولكن على قدر الأجهزة الاستخباراتية والمراكز البحثية بالولايات المتحدة.
وأوضح ياسين، لـ"إرم نيوز"، أنه حتى اجتماعات الحلفاء المعنيين بملف إيران التفاوضي، سواء على المستوى الأوروبي أو ما بين واشنطن وتل أبيب، يكون التعامل على أساس أن هذا النظام يعيش على المماطلة في الداخل والخارج، وأنه متفوق في ذلك بهدف مرور الوقت، والدخول في مسارات التفافية تعقد الملفات.
وأضاف أن ترامب يدخل هذه المرة في التفاوض مع طهران من منطلق أن له تجارب سابقة اعتاد عليها، وأدرك تفاصيلها، لدرجة أن تعامله مع الإيرانيين بات محفوظًا له عن ظهر قلب، وكأنه في مواجهة انتخابية أمام الديمقراطيين في الداخل.
وأشار ياسين إلى أن مهارة "النجاة القديمة" تخطت تأثيرها مع المشجع المحلي الذي كان يقتنع بنشرات جهاز إعلام الحرس الثوري، حول العدو القادم، وذلك بعد ما نتج عن أعمال قمع في الاحتجاجات الأخيرة، واكتشاف المواطن أن هذا النظام عبارة عن مجموعات متناحرة على مصالح فيما بينهم.
وأكد أن أسهم المراوغة التكتيكية غير حاضرة بشكل طويل لأن ترامب سيتعامل بأن المدافع موجهة إلى إيران، وأن الحشد قائم، والأهداف محددة، وأن النفس هذه المرة لن يكون طويلًا، وسيكون هناك ترقب حاسم لكل ما كان يجري في جولات التفاوض السابقة.
وقال ياسين: "ترامب سيتعامل بالحسم والضرب حال المراوغة في التفاوض حتى يعود الإيرانيون في جولة أخرى، ويحظرون المماطلة التي سيدركون حينئذ ثمنها وضحيتها التي ستكون شرخا واسعا على الأقل في النظام إن لم يكن إسقاطه".