قال مسؤولون كبار في البيت الأبيض إن طريقة تفاوض الإيرانيين مع واشنطن خلال جولات مسقط وجنيف، كانت "متبجحة ومتغطرسة وهزلية".
وجاءت تصريحات المسؤولين في سياق وصف تفصيلي للتسلسل الدرامي، الذي أفضى إلى انهيار الجهود الدبلوماسية الأخيرة بين واشنطن وطهران، وانتقال المواجهة فيما بينهما إلى ميدان القتال.
وأوضح المسؤولون لموقع "واللا" العبري، أن "الإيرانيين مارسوا حملات تضليل هائلة خلال المفاوضات، فضلًا عن استهزائهم بزخم الجهود الأمريكية في هذا الشأن".
بحسب المسؤولين، ورغم محاولات الوساطة، كان النهج الإيراني في غرف المفاوضات بعيدًا كل البعد عن الجدية.
وأضافوا: "تواصل معنا وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، بعد أن ضغطنا عليه بشأن قضية معينة تتعلق بالمواد النووية، فقال: لن نسمح لكم أبدًا بتحقيق ما عجزتم عن تنفيذه بالوسائل العسكرية عبر القنوات الدبلوماسية".
وأشارت المصادر الأمريكية إلى أن وفد المفاوضات الإيراني عرض عليهم خلال الاجتماع الأخير مقترحًا أطول وأكثر تفصيلًا، يتألف من 5 صفحات لمراجعته.
كان المقترح يحتوي على بعض الأفكار الجيدة، لكنه لم يخلُ من العديد من الثغرات، بحسب ما نقله الموقع العبري عن المسؤولين الأمريكيين.
وتابعوا: "كنا نمزح قائلين: رغم أننا في جنيف، لكن ثغرات المقترح تضاهي تمامًا ثقوب الجبن السويسري"، في إشارة إلى امتلاء الاقتراح بالثغرات.
وبحسب أحد المسؤولين، كان استنتاج واشنطن سريعًا وحاسمًا، وهو أنه لا يوجد اتفاق يمكن توقيعه مع الإيرانيين على المدى القصير.
ومنذ أصبح الصراع علنيًّا وعسكريًّا، أوضح البيت الأبيض أن قنوات التواصل المباشرة مع الإيرانيين أُغلقت تمامًا: "لم نُجرِ أي محادثة مع علي لاريجاني، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، ولم نتحدث مع وزير خارجيتهم، عراقجي، منذ أن تصاعدت الأمور إلى حدّ العنف، أي منذ بدء الاشتباكات الفعلية"، وفق المسؤولين الأمريكيين.
ورغم ذلك، استمر الضغط الدولي لإيجاد حل، لكن واشنطن كانت بطيئة في الاستعانة بالوسطاء.
ووفقًا لما نقله التقرير العبري عن مصادر البيت الأبيض، تلقت الإدارة الأمريكية عديد الطلبات، ربما من 10، أو 11، أو 12 دولة مختلفة، لكن الأمر لم يختلف عن سوابقه مع الإيرانيين.
وأوضح المسؤولون أن دورهم كان تقييم إمكانية التوصل إلى اتفاق يلبي أهداف الرئيس ترامب المحددة.
بمجرد التأكد من عدم وجود شريك، أصبح الانتقال إلى المستوى العسكري أمرًا لا مفر منه، وفقًا للمصادر الأمريكية، التي أوضحت لـ"واللا": "كان دورنا تقييم إمكانية التوصل إلى اتفاق يتماشى مع أهداف الرئيس، وفي حال إمكانية ذلك، تحديد المدة الزمنية اللازمة لإنجاز الاتفاق، ومدى التزام الأطراف المعنية به، وقابليته للتنفيذ".
ووصف كبار المسؤولين لحظات توتر شديدة في غرف المفاوضات في عُمان، حيث حاول الوسطاء المحليون رأب الصدع.
ووفقًا للمسؤولين أنفسهم، انطوى الموقف الإيراني على تحدٍّ بالغ من البداية.
وأضافوا: "بالطبع، كان العمانيون حاضرين معنا في الغرفة. غادروا الغرفة، وذهبوا للتحدث مع الإيرانيين، ثم عادوا - وكان عراقجي معهم. افتتح المفاوضات، برفقة نائبه، بالقول إن لإيران حق أصيل في تخصيب اليورانيوم، وهذا الحق لا يقبل التنازل. فاجأنا هذا؛ لأنه كان بمثابة تأكيد قاطع وحازم. بدا أنهم يتحدثون بنوع من التبجح، والغطرسة، بثقة كبيرة بالنفس، كما لو كانوا يقولون: لن تضغطوا علينا".
ولم تقف واشنطن مكتوفة الأيدي، بل أوضحت لطهران أن إصرار واشنطن يتعلق أيضًا بحقها في منع التسلح النووي مهما كلف الأمر: "أخبرناهم أنه إذا اعتبروا هذا حقهم، فنحن أصحاب حق في إيقافه، ولن نسمح به. كان هذا أول مثال على الطريقة التي اتبعوها في المفاوضات - ليس بروح التنازل، بل بروح التحدي".
وفي ذروة المواجهة في الغرفة، هاجم عراقجي الممثلين الأمريكيين قائلًا: "أكد الأوروبيون هذا، ونحن نعلم ذلك، وأنتم تعلمون ذلك أيضًا، وهو أن 460 كيلوغرامًا من اليورانيوم المخصب بنسبة 60% هي مسافة قصيرة جدًّا من مستوى التخصيب بنسبة 90%، والذي يعتبر من الدرجة العسكرية... ولهذا السبب سيتعين عليكم دفع ثمن باهظ إذا كنتم تريدون استعادة هذه المواد".
وبحسب الموقع العبري، فإنه بينما كان العالم يأمل في تحقيق انفراجة، قدّم الإيرانيون للأمريكيين وثائق خالية من أي مضمون حقيقي، واعتبر البيت الأبيض ذلك "محاولة لكسب الوقت".
وقال مسؤول رفيع لموقع "واللا": "في الاجتماع الثالث، لم يُقدّموا لنا سوى صفحة واحدة، تضمنت فقرة واحدة فقط، جاء فيها: نحن لا نطالب بأسلحة نووية. لم تُرفق بهذه الوثيقة أي حقائق أو تفاصيل حقيقية".
ووصف الإيرانيون المقترح بأنه "اتفاق قائم على الاحتياجات"، وزعموا أن المستوى العالي من التخصيب ضروري لتلبية الاحتياجات المدنية خلال العقد القادم. لكن وراء هذه الكلمات المعسولة خطة توسع: "أضافوا أن لديهم خطة لتوسيع وإنشاء منشآت نووية إضافية".
كان الاستياء الإيراني واضحًا بشكل خاص في ظل الوجود العسكري الأمريكي المكثف في المنطقة، بحسب رصد المصادر لكواليس اللقاءات مع الإيرانيين.
وكشفت أيضًا استراتيجية ترامب التفاوضية حينها، مشيرة إلى أنها دارت حول فصل التهديد النووي عن الصواريخ الباليستية، ووكلاء إيران الإقليميين، وتركت الأخيرة لدول المنطقة.
وفقًا للمصادر، قررت إدارة ترامب منذ بداية المفاوضات، بعد التشاور مع جميع دول المنطقة، التركيز مباشرة على القضية النووية (التخصيب والمواد النووية)، وترك مناقشة قضيتي الأسلحة ووكلاء إيران لدول المنطقة ذاتها، وكذلك إشكالية الصواريخ الباليستية، وبررت العزوف عن الأخيرة بأنها قضية إقليمية أيضًا.
وعندما اتضح أن الإيرانيين لا يُحرزون أي تقدم على أي من المحاور، غيّر البيت الأبيض موقفه.
وتقول المصادر: "في الاجتماع الثالث، ذكّرنا الإيرانيين بأن قضايا الوكالة والصواريخ الباليستية لم تُناقش في الإطار الإقليمي، وهذا الأمر يُقلقنا. لذلك؛ أوضحنا لهم أنه بغض النظر عن أي استنتاجات أو اتفاقيات نتوصل إليها بشأن القضية النووية، يجب مناقشة هذه القضايا".