في الأول من فبراير/شباط 2026، أعلن بيتر ماندلسون، أحد أبرز وجوه السياسة البريطانية منذ تسعينيات القرن الماضي، مغادرته حزب العمال الذي كان أحد مهندسيه التاريخيين.
وجاء القرار عقب الكشف عن وثائق جديدة تتعلق بعلاقته بالأمريكي جيفري إبستين، في ما وُصف بأنه سقوط مدوٍّ لرجل لُقّب بـ"أمير الظلام" بسبب نفوذه الهائل خلف الكواليس.
نشرت وزارة العدل الأمريكية، يوم الجمعة، وثائق تشير إلى أن ماندلسون تلقّى أموالًا من إبستين عدة مرات في أوائل العقد الأول من الألفية.
وفي رسالة وجّهها إلى هولي ريدلي، الأمينة العامة لحزب العمال، كتب ماندلسون: "ادعاءات أعتقد أنها كاذبة، بأن (جيفري إبستين) دفع لي أموالًا قبل عشرين عامًا - ولا أملك أي أثر لها ولا أذكرها - تتطلب تحقيقًا من جانبي".
كما ظهر ماندلسون في صور جديدة غير مؤرخة، وهو يرتدي قميصًا وسروالًا داخليًا إلى جانب امرأة. وقال، صباح الأحد، إنه "لا يستطيع تحديد المكان ولا التعرّف على المرأة".
وتكمن المفارقة في أن ماندلسون كان قد وصف إبستين عام 2003 بأنه "أفضل صديق" له، وأرسل إليه عام 2008 رسائل بريد إلكتروني داعمة، في وقت كان فيه إبستين يُحاكم في ولاية فلوريدا بتهمة الاتجار بالقاصرات.
في محاولة للدفاع عن نفسه، استخدم ماندلسون ورقة مثيرة للجدل تتعلق بتوجّهه الجنسي، إذ قال: "ربما لأنني مثليّ الجنس… مع شريكي آنذاك، الذي هو زوجي الآن، لم نرَ أبدًا أدنى دليل على هذا النشاط الإجرامي".
غير أن هذا الدفاع لم يمنع رئيس الوزراء كير ستارمر من تكليفه بإجراء تحقيق "عاجل" حول اتصالات إبستين بماندلسون خلال فترة وجوده في الحكومة، وفقًا لما أوردته هيئة الإذاعة البريطانية (BBC).
في تسعينيات القرن الماضي، كان بيتر ماندلسون أحد مهندسي مشروع "العمال الجديد" (New Labour) ذي التوجّه الوسطي، الذي قاده رئيس الوزراء السابق توني بلير (1997–2007).
انتُخب نائبًا في البرلمان لأول مرة عام 1992، ثم أصبح مدير الحملة الانتخابية لبلير عام 1997. وفي تلك الفترة، بلغ نفوذه حدًا جعل الصحافة تطلق عليه لقب "أمير الظلام".
حتى في تلك الحقبة، اضطر ماندلسون إلى الاستقالة من مناصب رسمية مرتين: الأولى عام 1998، عندما كان وزيرًا للتجارة في حكومة بلير، بسبب عدم إعلانه عن قرض عقاري حصل عليه من زميل.
والثانية عام 2001، عندما كان وزيرًا لشؤون أيرلندا الشمالية، عقب اتهامه بتسهيل طلب جواز سفر لملياردير هندي - وهي تهمة برّأه منها تحقيق طُلب لاحقًا من قبل رئيس الوزراء.
أُعيد انتخابه في الانتخابات التشريعية لعام 2001، وقال في خطاب فوزه: "لقد استهانوا بي لأنني مقاتل ولا أستسلم أبدًا".
وفي عام 2004، أصبح هذا الأوروبي المقتنع مفوّضًا أوروبيًا للتجارة، خلفًا للفرنسي باسكال لامي.
عاد ماندلسون إلى السياسة البريطانية بشكل مفاجئ عام 2008، إذ مُنح لقب لورد، ثم عاد إلى الحكومة وزيرًا للمؤسسات والابتكار في حكومة غوردون براون (رئيس الوزراء من 2007 إلى 2010).
ومرة أخرى، أثارت شبكة علاقاته الواسعة الجدل، إذ وُجّهت إليه انتقادات في العام نفسه بسبب علاقاته مع الأوليغارشي الروسي أوليغ ديريباسكا.
في عام 2016، قاد حملة البقاء في الاتحاد الأوروبي، وبعد فوز البريكست دعا إلى إجراء استفتاء ثانٍ.
وأسهمت خبرته العميقة في التجارة الدولية في قرار كير ستارمر تعيينه سفيرًا، ولا سيما في ظل نية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب فرض رسوم جمركية على الواردات. وقد حظيت بريطانيا بمعاملة أفضل مقارنة بدول أخرى، إذ فُرضت رسوم بنسبة 10% على معظم المنتجات.
ورغم أن ماندلسون وصف ترامب عام 2018 بأنه "طاغية"، فإنه نجح لاحقًا في كسب ودّ الرئيس الأمريكي، حيث التُقطت لهما صور متكررة في المكتب البيضاوي خلال الأشهر السبعة التي قضاها ماندلسون في واشنطن.
غير أن العلاقة مع إبستين - الذي توفي في السجن عام 2019 قبل محاكمته - وضعت حدًا لمسيرة دبلوماسية بدت واعدة.
واليوم، مع انسحابه من حزب العمال واستمرار التحقيقات، يبدو أن "أمير الظلام"، الذي قال يومًا إنه "لا يستسلم أبدًا"، قد بلغ نهاية طريقه السياسي.
وبعد الأمير أندرو، يُعدّ ماندلسون أحد أبرز الشخصيات البريطانية التي سقطت في فضيحة إبستين - سقوط يختِم مسيرة أربعة عقود من النفوذ والجدل.