أعادت الاحتجاجات الواسعة المناهضة للحكومة في إيران تسليط الضوء على الدور المتنامي الذي تلعبه تكنولوجيا المراقبة الصينية في دعم الأنظمة الاستبدادية، حيث يتهم نشطاء وخبراء شركة صينية بتزويد السلطات الإيرانية بأدوات رقمية متقدمة تُستخدم لتعقب المتظاهرين وقمعهم بعنف.
وتبرز في هذا السياق شركة "تياندي للتكنولوجيا الرقمية"، ومقرها مدينة تيانجين الصينية، والتي باتت محور دعوات متزايدة في واشنطن لاتخاذ إجراءات أكثر صرامة ضدها، على خلفية اتهامات بمساعدة أجهزة الأمن الإيرانية في تحديد هوية المحتجين واعتقالهم.
تُعد الصين اليوم رائدة عالمياً في مجال المراقبة الجماعية، إذ تعتمد حكومتها على الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات الضخمة لمراقبة أكثر من 1.4 مليار مواطن.
وقد استخدمت بكين هذه التقنيات لتعزيز قبضتها الأمنية في مناطق تعتبرها حساسة، مثل التبت وإقليم شينجيانغ ذي الغالبية المسلمة.
لكن هذا النموذج لم يعد مقتصراً على الداخل الصيني. فقد أصبحت بكين أكبر مصدر عالمي لتكنولوجيا المراقبة، ويتهمها منتقدون بتصدير أدوات القمع إلى دول أخرى، من بينها إيران وباكستان، ما يتيح لتلك الحكومات تشديد الرقابة على مواطنيها وقمع المعارضة السياسية.
بحسب كريج سينغلتون، أستاذ في جامعة ستانفورد وزميل بارز في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات في واشنطن، فإن أنظمة المراقبة التي توفرها شركة "تياندي" عززت بشكل كبير قدرات أجهزة الأمن الإيرانية على التعرف على المتظاهرين خلال موجات الاحتجاج الأخيرة والسابقة.
وكتب سينغلتون في منشور على منصة "إكس": "هذا ليس استخداماً مارقاً أو عرضياً؛ نحن أمام شركة صينية تصدّر القمع كخدمة".
وأضاف أن التكنولوجيا المستخدمة تشمل كاميرات متصلة بأنظمة تحليل ذكية، قادرة على تتبع الأفراد وربط الصور ببيانات شخصية في وقت قصير.
وتشير تقارير صادرة عن مجموعة أبحاث صناعة الأمن والمراقبة IPVM، ومقرها ولاية بنسلفانيا، إلى أن "تياندي" زودت الجيش الإيراني والشرطة والحرس الثوري بمعدات متطورة، من بينها مسجلات فيديو شبكية وأنظمة تسجيل فوري، إضافة إلى أدوات يُزعم استخدامها في مراكز الاحتجاز والاستجواب.
كانت "تياندي" من بين عشرات الشركات الصينية التي أُدرجت على القائمة السوداء للرقابة على الصادرات الأمريكية في عام 2022.
كما أدرجتها إدارة الرئيس جو بايدن، إلى جانب 35 كياناً صينياً آخر، على "قائمة الكيانات" التابعة لوزارة التجارة؛ بسبب أنشطة اعتُبرت منافية للأمن القومي الأمريكي والسياسة الخارجية.
ودعا سينغلتون السلطات الأمريكية إلى المضي أبعد من ذلك، من خلال استهداف الشركة بسبب انتهاكات حقوق الإنسان، وقطعها عن سلاسل التوريد الأمريكية، وإضافتها إلى القائمة المشمولة للجنة الاتصالات الفيدرالية، والتي تحظُر استخدام بعض معدات الاتصالات والمراقبة الأجنبية داخل الولايات المتحدة.
وفق تقديرات وكالة أنباء نشطاء حقوق الإنسان، التي تتخذ من الولايات المتحدة مقراً لها، قُتل ما لا يقل عن 2571 شخصاً في أحدث موجة احتجاجات في إيران، من بينهم 2403 متظاهرين و147 شخصاً مرتبطين بالحكومة.
ويتوقع ناشطون أن يستمر عدد الضحايا في الارتفاع، مع تداول مقاطع فيديو تُظهر صفوفاً من الجثث في مدن مختلفة.
وفي هذا السياق، حذر مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، فولكر تورك، من تصعيد خطير، قائلاً إن من "المقلق للغاية" صدور تصريحات من مسؤولين قضائيين إيرانيين تشير إلى احتمال استخدام عقوبة الإعدام ضد المتظاهرين عبر إجراءات قضائية معجلة.
مواقف متقابلة وتصعيد محتمل
في المقابل، تؤكد شركة "تياندي" على موقعها الإلكتروني أنها تقدم "حلولاً أمنية ذكية وفعالة وآمنة في جميع أنحاء العالم من خلال الابتكار التكنولوجي". ولم يصدر عنها تعليق مباشر على الاتهامات المتعلقة بإيران.
ولا يزال من غير الواضح ما إذا كانت الولايات المتحدة ستفرض عقوبات إضافية على "تياندي" أو على شركات مراقبة صينية أخرى.
في الوقت نفسه، هدد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب باتخاذ "إجراءات قوية للغاية" إذا أقدمت إيران على إعدام المتظاهرين، فيما لوّح مسؤولون إيرانيون باستهداف القواعد الأمريكية في المنطقة في حال تدخل واشنطن.
وسط هذا التصعيد، يظل استخدام تكنولوجيا المراقبة الأجنبية أحد أخطر أبعاد الصراع، حيث تتحول الابتكارات الرقمية إلى أدوات فعالة في قمع الاحتجاجات وتقويض الحقوق الأساسية.