في 24 فبراير 2026، استقبل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون رئيس مدغشقر الجديد مايكل راندريانيرينا في قصر الإليزيه، في محاولة لإعادة بناء العلاقة الثنائية مع مدغشقر بعد أزمة سياسية سبقت تنصيب الرئيس الجديد.
تأتي هذه الخطوة في وقت تشهد فيه أنتاناناريفو تحركًا روسيًا نشطًا لتعزيز نفوذها الاقتصادي والأمني، ما يمثل تحديًا مباشرًا لمكانة باريس التاريخية في الجزيرة الواقعة جنوب شرق إفريقيا، بحسب مجلة "جون أفريك".
يأتي لقاء ماكرون مع راندريانيرينا بعد أربعة أشهر من الإطاحة بالرئيس السابق أندري راجولينا، الذي أُجلِئ إلى جزيرة ريونيون بتدخل فرنسي خلال الاحتجاجات الشعبية بقيادة العقيد راندريانيرينا.
وأثار هذا التدخل توتر العلاقات الدبلوماسية بين باريس وأنتاناناريفو، لكن اللقاء الأخير هدف إلى وضع "إطار شراكة جديد" يتيح دعم الانتقال السياسي وإجراء انتخابات حرة وشفافة في المستقبل القريب.
وقد سبق مناقشة هذا الإطار في يناير خلال اجتماع بين وزيري خارجية فرنسا ومالغاشيا، وتم الاتفاق على تقديم خارطة طريق وطنية إلى الجماعة الإنمائية للجنوب الإفريقي (SADC) قبل 28 فبراير، تحدد الخطوات العملية نحو الانتخابات المرتقبة.
كما ناقش الجانبان جهود تقديم المساعدات الإنسانية بعد إعصارَي فيتيا وجيزاني، اللذين أسفرا عن مقتل 62 شخصًا وتدمير نحو 25 ألف منزل، بما في ذلك أضرار جسيمة في مدينة تاماتاف، ثاني أكبر مدن البلاد.
أرسلت فرنسا من جزيرة ريونيون 11.5 طن من المساعدات عبر منصة التدخل الإقليمي للصليب الأحمر الفرنسي، مع تعزيز جهود الإنقاذ والخبراء الفنيين.
في الوقت نفسه، لم تكن فرنسا وحدها في تقديم الدعم لمدغشقر، فقد حشدت روسيا قواتها لتقديم المساعدة للسلطات الجديدة بعد الكوارث الطبيعية، وأرسلت طائرات شحن ومروحيات عسكرية إلى مطار أنتاناناريفو-إيفاتو، إضافة إلى تسليح الجيش الملغاشي وتوفير مدربين لتطوير قدراته الدفاعية.
قبل أيام من زيارة ماكرون، زار الرئيس راندريانيرينا موسكو والتقى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لتعزيز التعاون السياسي والاقتصادي، مؤكّدًا استعداد بلاده للعمل مع موسكو خلال هذه الفترة الحرجة.
وتتركز هذه الشراكة الجديدة على دعم الأمن وتدريب القوات الملغاشية، ما يعكس حرب نفوذ واضحة بين باريس وموسكو في الجزيرة الواقعة في المحيط الهندي.
رغم النشاط الروسي، تسعى فرنسا لاستعادة مركزها التقليدي في مدغشقر عبر التركيز على نقاط قوتها الاقتصادية والثقافية؛ فالجزيرة تمثل شريكًا رئيسًا، حيث يبلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين نحو مليار يورو، ويشمل أكثر من 50 شركة فرنسية في مجالات الهيدروكربونات والزراعة والاتصالات والخدمات المالية.
في ختام زيارة قصر الإليزيه، كان من المقرر أن يلتقي ماكرون وراندريانيرينا قادة الأعمال والجهات المانحة لصياغة "استراتيجية تيسير" لدعم التنمية المحلية، بما في ذلك الصحة والتنمية الحضرية والأمن الغذائي والعدالة.
ويؤكد مصدر في قصر الإليزيه أن مدغشقر تمثل "علاقة ذات أولوية" لفرنسا في إفريقيا، في ظل استعداد باريس للقمة الإفريقية الفرنسية في نيروبي مايو المقبل، في محاولة للتكيف مع التعددية القطبية الجديدة التي تعتمدها الإدارة الملغاشية.
تمثل زيارة الرئيس الملغاشي الجديد لباريس محاولة من فرنسا لاستعادة موقعها التاريخي في مدغشقر، في ظل منافسة روسية متزايدة على النفوذ العسكري والاقتصادي.
وبينما تقدم باريس الدعم الاقتصادي والثقافي والتنمية، تظهر موسكو نشاطًا ملموسًا في الجانب الأمني والعسكري، ما يجعل مدغشقر مركز صراع دبلوماسي وتجاري بين القوى الكبرى في إفريقيا والمحيط الهندي.