logo
العالم

"فيلق الظل".. سلاح بريطاني صامت يصنع الفارق في أوقات الأزمات

أحد عناصر فيلق هيئة الأركان الهندسية واللوجستية البريطانيالمصدر: الجيش البريطاني

كشفت صحيفة "التليغراف" عن واحد من أكثر أسرار الجيش البريطاني إثارة للاهتمام، حين سلطت الضوء على فيلق هيئة الأركان الهندسية واللوجستية، ذلك التشكيل الذي يوصف بأنه «أعظم وحدة عسكرية لم تسمع بها من قبل». 

واحتفل الفيلق هذا العام بمرور 160 عامًا على تأسيسه، عبر إصدار كتاب يؤرخ لمسيرته بعنوان "خدمة ساعة المستقبل"، في خطوة رفعت الستار عن مؤسسة ظلت بعيدة عن الأضواء، رغم تأثيرها العميق في مسار العمليات العسكرية والاستراتيجية.

وخدم هذا الفيلق، على مدى قرن ونصف، السيادة البريطانية والدولة بصمت والتزام، فلم يطلب أفراده مكافأة أو شهرة أو عائدًا ماديًا، بل قدموا خبراتهم حين اشتدت الحاجة، واضعين الكفاءة فوق الاعتبارات البروتوكولية. 

وجسّد الفيلق فكرة جوهرية مفادها أن التفوق في ميادين الصراع لا يتحقق بالعتاد وحده، بل يتحقق أيضًا بالمعرفة المتخصصة التي يصعب توليدها داخل المؤسسة العسكرية التقليدية. 

أخبار ذات علاقة

الجيش البريطاني

"كونوا مستعدين للقتال".. الجيش البريطاني يُطلق برنامجًا لجذب الشباب

وألف الكتاب العقيد غاري سوليفان، القائد السابق للفيلق والرئيس الحالي لشركة ويلسون جيمس، فقدم شهادة من الداخل على طبيعة هذا التشكيل الفريد. 

ومثل سوليفان نموذجًا لضابط يجمع بين الحنكة التجارية والخبرة العملياتية، وهو نموذج كرره الفيلق عبر استقطاب قادة صناعة وخبراء عالميين في مجالات متخصصة، عجز الجيش عن تطويرها ذاتيًا، لكنه احتاجها بصورة عاجلة في أوقات الحروب والأزمات.

واستفاد الجيش البريطاني من خبرات هؤلاء المتطوعين في ساحات متعددة، فاستعان بهم لتخطيط الإمداد، وإدارة البنية التحتية، وتقييم المخاطر التقنية المعقدة.

كما أسهم بعضهم في وضع خطط لمعالجة تداعيات انفجارات وأزمات كبرى، مستندين إلى خبرة ميدانية تراكمت في مناطق نزاع مختلفة، من الشرق الأوسط إلى أوروبا الشرقية. 

وواصل ضباط الفيلق اليوم دعم عمليات مرتبطة بالحرب في أوكرانيا وغيرها من الساحات، حيث يفرض الواقع العسكري العمل بسرعة وعلى نطاق واسع.

وتعود جذور الفيلق إلى أعقاب حرب القرم في منتصف القرن التاسع عشر، حين واجه الجيش البريطاني إخفاقات لوجستية جسيمة، وتزامن ذلك مع تهديد فرنسي محتمل. 

وأدركت بريطانيا الفيكتورية أن الحرب دخلت عصرًا صناعيًا جديدًا، فرضته السكك الحديدية التي غيرت قواعد نقل الجنود والإمدادات، إذ عجز الجيش وحده عن مواكبة هذا التحول، فلجأ إلى القطاع الخاص، مستعينًا بمهندسين ورواد صناعة قادوا التوسع السريع لشبكات القطارات.

وأجازت الملكة فيكتوريا عام 1865 تأسيس فيلق تطوعي من خبراء السكك الحديدية، حمل اسم "فيلق المهندسين وهيئة أركان السكك الحديدية". 

أخبار ذات علاقة

قائد القوات المسلحة البريطانية توني راداكين

قائد الجيش البريطاني: نحتاج إلى مواكبة الاستعداد المدني للحرب

ورسخت تلك الخطوة مبدأً لا يزال قائمًا حتى اليوم: يستدعي الجيش أصحاب المهارات النادرة عند الحاجة، ويمنحهم صفة عسكرية تتيح دمج خبراتهم في صلب منظومة القرار، بما يؤثر مباشرة في نتائج العمليات.

وجند الفيلق، عبر 160 عامًا، شخصيات استثنائية من مختلف القطاعات الصناعية، ومنحهم رتب ضباط متطوعين، فأتاح لهم تقديم المشورة، وتوجيه التخطيط، بل ومساءلة بعض المسلمات العسكرية عند الضرورة. 

ودعم هؤلاء السلطات المدنية خلال الأزمات الوطنية، وسخّروا شبكات علاقاتهم لتعزيز الجاهزية، فعملوا بوصفهم "صديقًا ناقدًا" من داخل المؤسسة، يوازن بين الواقعية المهنية والانضباط العسكري.

وأكدت تجربة هذا الفيلق أن القوة الحديثة لا تقاس بعدد الجنود فحسب، بل تقاس بقدرة الدولة على تعبئة عقولها وخبراتها عند الشدائد.

وكرّس فيلق هيئة الأركان مكانته سلاحًا صامتًا، يصنع أثره بعيدًا عن الضجيج، لكنه يترك بصمته حين تشتد الحاجة وتتعاظم التحديات.

logo
تابعونا على
جميع الحقوق محفوظة © 2026 شركة إرم ميديا - Erem Media FZ LLC