لم تُعطّل حرب إيران مضيق هرمز وترفع أسعار النفط فحسب، بل كشفت عن شرخ استراتيجي داخل المعسكر الغربي، فأمريكا ترفع العقوبات عن النفط الروسي لإطفاء حريق الأسعار، بينما بريطانيا تُجيز لجيشها اعتراض ناقلات موسكو في مياهها.
أما الاتحاد الأوروبي فيُجمّد قانون الحظر الدائم على النفط الروسي دون تحديد موعد بديل، ثلاثة مواقف، وحليف واحد، وحرب واحدة تظهر التناقضات.
في مطلع مارس/ آذار، أصدرت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إعفاءً مؤقتًا لثلاثين يومًا يُجيز لدول العالم شراء النفط الروسي الموجود في عرض البحر دون التعرض لعقوبات أمريكية.
ثم أعلن وزير الخزانة سكوت بيسنت إعفاءً مماثلًا لـ140 مليون برميل من النفط الإيراني. الهدف المُعلن: إعادة الاستقرار لأسواق طاقة اضطربت بفعل شبه إغلاق هرمز.
لكن النتيجة الأوسع كانت أن بوتين، الذي كان يبيع نفطه بخصم 30 دولارًا عن سعر السوق، وجد نفسه فجأة يُقارب الأسعار العالمية. تحليل صحيفة "الغارديان" لبيانات مركز أبحاث الطاقة والهواء النظيف (CREA) كشف عن أن روسيا جنت سبعة مليارات دولار في أسبوعين فقط من مارس من بيع الوقود الأحفوري.
ردود الفعل في الكونغرس كانت نادرة الحدة من كلا الحزبين، وفق ما ذكرت صحيفة "نيويورك تايمز" فالسيناتور جيري موران الجمهوري من كانساس قال صراحةً: "أمريكا تُقدّم راحةً مالية لدولة نحن في حالة قتال معها فعليًا".
أما زميله الجمهوري تشاك غراسلي من أيوا، فوصف رفع القيود عن النفط الروسي بأنه "الخطوة الخاطئة"، مُحذرًا أن كل دولار من عائداته "يُغذي حرب بوتين"، بينما ذهب الديمقراطي جاك ريد، من رود آيلاند، أبعد بالقول: إعفاء النفط الإيراني قد يُدرّ على طهران أربعة عشر مليار دولار في وقت تخوض فيه واشنطن عمليات عسكرية ضدها مباشرة.
بيسنت دافع عن القرار بمنطق يصعب تصديقه: نقل هذا النفط من السوق السوداء إلى السوق المفتوحة يمنح وزارة الخزانة "رؤية أفضل" للمعاملات.
وقال "نحن نمارس الجوجيتسو الإيراني"، غير أن التعليق الأكثر مباشرة جاء من المستشار الاقتصادي الروسي كيريل دميترييف، الذي كتب على تيليغرام: "الولايات المتحدة اعترفت رسميًا بالواقع. أسواق الطاقة لا يمكنها الاستقرار دون النفط الروسي".
في اليوم الذي كانت فيه واشنطن تُخفّف الضغط على موسكو، أعلن ستارمر قرارًا يسير في الاتجاه المعاكس تمامًا: منح القوات المسلحة البريطانية صلاحية صعود ناقلات النفط الروسية في المياه البريطانية واحتجازها. القرار الذي أعلنته داونينغ ستريت الأربعاء 25 مارس جاء مُصوَّرًا كضربة لـ"أسطول الظل" الروسي، تلك الناقلات المسنّة التي ترفع أعلامًا مزيفة أو تعمل تحت هياكل ملكية مبهمة لتصدير النفط الروسي متحايلةً على العقوبات.
ستارمر، وفق ما نقلت بوليتيكو، ربط القرار مباشرةً بالحرب الإيرانية: "بوتين يفرك يديه مسرورًا من حرب الشرق الأوسط لأنه يظن أن ارتفاع أسعار النفط سيملأ جيوبه. لهذا نضرب أسطوله بقوة أكبر".
وأضاف: "لن تدوم أرباحه القذرة التي تُموّل حملته الوحشية في أوكرانيا".
الخطوة البريطانية لا تقف عند الاحتجاز. لندن تدعم مقترح المفوضية الأوروبية بـ"حظر خدمات الشحن البحري الشامل" على النفط الروسي، بما يُجرّم قطاع التأمين البريطاني، الأهم في العالم، من خدمة ناقلات موسكو.
وزير التجارة كريس برايانت قال في البرلمان بوضوح: "إن كان الاتحاد الأوروبي مستعدًا، فلن يمنعنا تردد واشنطن من التصرف". موسكو حذّرت من أن أي استهداف لسفنها قد يدفعها لنشر بحريتها لحماية ناقلاتها، واصفةً الإجراءات الغربية بـ"القرصنة".
أما بروكسل فتقف في منتصف الطريق. قانون الحظر الدائم على النفط الروسي الذي كان مقررًا إطلاقه في الخامس عشر من أبريل كجزء من خطة REPowerEU أُزيل من الجدول الزمني دون تحديد موعد بديل، وفق ما أفادت به قناة "يورونيوز".
ناطقة المفوضية الأوروبية آنا كايسا إتكونن قالت: "لا أملك موعدًا جديدًا لأُعطيه"، يُضاف إلى ذلك أن المجر وسلوفاكيا، اللتان تواصلان شراء النفط الروسي عبر خط الأنابيب السوفيتي القديم "دروجبا"، شنّتا دعاوى قانونية ضد حظر الغاز، وتُهدّدان بالمثل إن مضى قانون النفط. هذا الخلاف يُعطّل أيضًا صرف قرض تسعين مليار يورو لأوكرانيا.
على الجانب الآخر من العالم، تتسع خريطة مستهلكي النفط الروسي بشكل لافت. الفلبين تلقّت شحنة روسية بعد الإعفاء الأمريكي، والهند تعود بقوة لمستوياتها السابقة قبل ضغوط ترامب عليها، وتايلاند وفيتنام تتطلعان للمسار ذاته.
ناقلتان روسيتان اقتربتا من كوبا في 25 مارس متحدّيتين عقوبات OFAC الجديدة في اختبار مباشر لنية واشنطن التطبيق. كل هذا يرسم صورة لسوق نفط عالمية تُعيد توزيع نفسها حول العقوبات لا بسببها.
المشهد يكشف عن حقيقة مُقلقة: حرب إيران لم تُوحّد الغرب في مواجهة روسيا، بل جعلت كل طرف يتصرف وفق مصالحه الطاقوية المباشرة.
واشنطن تفاضل بين ضغط أسعار الوقود وضغط موسكو وتختار الأول؛ لندن تُصعّد ضد أسطول الظل لإضعاف الكرملين وتقوية كييف، وبروكسل تجمّد قوانينها ريثما تهدأ العاصفة. نتيجة هذه المعادلة المتناقضة: بوتين يتأمل المشهد ويجني الأرباح.