مع تصاعد الاحتجاجات الشعبية في طهران تُثار أسئلة عن الارتدادات المحتملة في حال سقوط النظام هناك، ولا سيما على الساحة العراقية التي ترتبط مع إيران بشبكة معقدة من العلاقات السياسية والأمنية والاقتصادية.
والتطورات المتسارعة داخل إيران، مقرونة بتصريحات أمريكية عن احتمال التدخل، أعادت إلى الواجهة حسابات حساسة لدى القوى الشيعية العراقية، وسط صمت رسمي بدا لافتاً قياساً بحجم الحدث وخطورته الإقليمية.
وعقدت مستشارية الأمن القومي العراقية اجتماعاً لخلية الأزمة برئاسة قاسم الأعرجي، شدد خلاله على أهمية الحفاظ على أمن واستقرار البلاد وضبط الحدود مع دول الجوار، بما يمنع انتقال أي تداعيات إقليمية إلى الداخل العراقي.
ويشكل هذا التحرك وفق مراقبين، إدراكاً رسمياً لحساسية المرحلة، حتى مع تجنب الخوض الإعلامي المباشر في الشأن الإيراني.
وبالتوازي، يلاحظ امتناع وسائل الإعلام الرسمية العراقية، وكذلك القنوات المقربة من طهران، عن تغطية الاحتجاجات الإيرانية بشكل واسع، مقابل نشاط ملحوظ على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث يتداول عراقيون سيناريوهات متعددة لتأثير ما يجري في إيران على الوضع الداخلي، مستندين إلى تاريخ طويل من التداخل السياسي والأمني بين البلدين منذ عام 2003.
بدوره، أوضح رئيس المركز العراقي للإعلام في واشنطن نزار حيدر أن "الولاء الذي تعلنه بعض القوى السياسية، ولا سيما الشيعية منها، إلى جانب الفصائل المسلحة، لإيران يجعل العراق المتأثر الأول وربما الأخير بما يجري في الداخل الإيراني؛ ما يوقع البلاد تلقائياً في دائرة التداعيات المباشرة لأي تطور هناك".
وأوضح حيدر لـ"إرم نيوز" أن "ما نُشر أخيراً من أخبار وتقارير عن ذهاب عناصر من الفصائل المسلحة العراقية إلى إيران للمشاركة في قمع الاحتجاجات يستند، إلى معلومات صحيحة، ومصادر استخباراتية وأمنية وسياسية مهمة في بغداد"، معتبراً أن "ذلك يشكل دليلاً إضافياً على وجود أطراف تسعى إلى زج العراقيين في كل ما يحدث في المنطقة، سواء في إيران أو خارجها".
ودعا حيدر القائد العام للقوات المسلحة العراقية، محمد شياع السوداني، إلى "التعامل مع التطورات الجارية في إيران بالطريقة نفسها التي جرى اعتمادها حيال الأحداث في سوريا خلال العام الماضي، بما في ذلك اتخاذ إجراءات صارمة إذا اقتضت الضرورة، كإغلاق الحدود المشتركة، من أجل حماية العراق من أي تداعيات خطيرة محتملة".
وتحتفظ أغلب القوى الشيعية العراقية بعلاقات متينة ومتجذرة مع إيران، تعود في جذورها إلى ثمانينيات القرن الماضي، حين اتخذت قيادات وأحزاب شيعية بارزة من طهران مقراً لها خلال سنوات المنفى والمعارضة؛ ما أسس لاحقاً لارتباط سياسي وأمني وثيق استمر بعد عام 2003.
وهذا الارتباط التاريخي بحسب مراقبين، لم يقتصر على البعد السياسي أو الأيديولوجي، بل تطور ليمنح إيران قدرة واسعة على التدخل المباشر في الشأن العراقي، والتأثير في مسارات القرار داخل مؤسسات الدولة، سواء عبر الأحزاب المتحالفة معها أو من خلال الفصائل المسلحة المرتبطة بها، الأمر الذي جعل العراق في كثير من الأحيان جزءاً من حسابات إقليمية تتجاوز أولوياته الداخلية.
من جهته، يذهب الخبير الاستراتيجي جواد الدهلكي إلى أن "ما يجري في إيران دخل مرحلة تصاعد تدريجي في استخدام القوة من كلا الطرفين، نتيجة تراكمات بعيدة المدى؛ ما يجعل فرص التهدئة السريعة محدودة"، مشيراً إلى أن "الحلول الاقتصادية العاجلة كانت كفيلة بتخفيف حدة الاحتجاجات في بدايتها، لكن تجاوزها أفضى إلى تعقيد المشهد".
ويحذر الدهلكي، في حديثه لـ"إرم نيوز" من أن "العراق ليس بمنأى عن هذه التداعيات، فالسياسات الضريبية الأخيرة والضغوط الخارجية المتعلقة بالعملة الأجنبية تجعل الوضع الداخلي هشاً وقابلاً للتأثر" مؤكداً أن "أي حكومة عراقية مقبلة ستكون مطالبة بتقديم خطاب واضح وبرامج عملية لإقناع المواطنين، بعيداً عن الشعارات السياسية أو الدينية، في مرحلة إقليمية تتسم بقدر عالٍ من عدم اليقين".
ويؤكد مراقبون للشأن العراقي أن أي خلل يصيب النظام في طهران يعني عملياً ارتدادات سريعة ومباشرة على الداخل العراقي، سواء عبر تفكك المنظومة السياسية المرتبطة به، أو تأثر تماسكها وقدرتها على إدارة المشهد، أو تراجع نفوذها وقوتها داخل مؤسسات الدولة.