ظلت العاصمة بيروت، باستثناء الضاحية الجنوبية — المعقل السياسي لحزب الله — والبنى التحتية المملوكة للدولة اللبنانية، تُعدّ خطوطًا حمراء غائبة عن أي عمليات برية إسرائيلية ضد الحزب، إلا أن هذه المعادلة تبدلت خلال الساعات الأخيرة.
وتدخل إسرائيل إلى العملية البرية جنوبي لبنان، باستهداف البنى التحتية، وفي صدارة ذلك الجسور، الأمر الذي هدد الجيش الإسرائيلي بالإقدام عليه خلال المرحلة القادمة، والعمل على فصل ضفتي نهر الليطاني.
ولا يظهر من العملية العسكرية الإسرائيلية، أن الغرض الذهاب إلى استهداف حزب الله بشكل مباشر، ولكن الدولة أيضا والعمل على إتمام أكبر عملية تهجير لأهالي الجنوب، حتى يكون هذا الأمر بمثابة ورقة قوية ترغم لبنان على التفاوض حول التطبيع مع إسرائيل بشروط الأخيرة، بحسب خبراء.
يأتي ذلك في وقت يرى فيه ساسة لبنانيون لـ"إرم نيوز"، أنه مع انتهاء هذه الحرب، حال تحقيق الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو أهدافهما، لن تتواجد ذات الأطراف الحاكمة والمؤثرة الحالية في لبنان، لاسيما حزب الله.
ويقول أستاذ العلوم السياسية في الجامعة اللبنانية، البروفيسور وليد صافي، إن الحرب حالياً في لبنان، تأتي في سياق تعتبر فيه إسرائيل أن المواجهة التي انتهت في 2024 باتفاق 27 نوفمبر/تشرين الثاني، لم تحقق لها أهدافها الفعلية.
أما من جهة حزب الله، فإنها تأتي في إطار استمراره ذراعاً عسكرياً في خدمة المصالح العليا لإيران، في الوقت الذي تتعرض فيه لبنان لحرب تهدف إلى تدمير قدراتها ونظامها.
ويوضح صافي لـ"إرم نيوز"، أن إسرائيل في حرب 2024، لم تتمكن من القضاء على حزب الله أو تدمير قدراته بالكامل ولم تحقق إنجازات سياسية كانت تسعى من ورائها إلى جر لبنان للتفاوض المباشر وتوقيع اتفاقية سلام أو تطبيع.
ويبدو أن خيار المفاوضات الذي جاء على إثر مبادرة الرئيس اللبناني جوزيف عون بالتفاوض المباشر مع اسرائيل، غير حاضر على طاولة الحكومة الإسرائيلية إذ وافق الكابينيت في تل أبيب على عملية برية قد تصل إلى مجرى نهر الليطاني.
ومن الواضح أن إسرائيل غير مستعجلة من أمرها ولم تتوقف منذ أسبوعين على التدمير في الجنوب وتهجير السكان وفق صافي، واليوم تطالب سكان القرى المتواجدة في جنوب الزهراني المغادرة إلى شماله على خلفية التحضير لتحويل ملف النازحين إلى ورقة سياسية تبتزّ بها الدولة اللبنانية.
ويفسر صافي الابتزاز، برهن عودة النازحين بشروط سياسية في وقت نشر قبل أسبوع، معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي، مقالا يعتبر أن هناك فرصا ليس فقط لتدمير حزب الله، ولكن على المستوى السياسي، التوصل إلى اتفاق سلام أو تطبيع مع لبنان.
وتسعى إسرائيل بالعمل في الجنوب على تحقيق إنجاز ميداني يستخدم كورقة أساسية في المفاوضات، وأيضا الرهان على ملف النازحين، في ظل تحطيم كل الخطوط الحمراء في لبنان، والتهديد بتدمير البنى التحتية للدولة اللبنانية، كعقاب لها لعدم التحرك بنزع سلاح حزب الله.
وأرجع صافي الهدف في ذلك، إظهار قوة الردع، وإرباك الدولة والضغط عليها، وبعث رسائل قوية للمسؤولين في بيروت، بأن إسرائيل قادرة على استباحة كل شيء في لبنان، إذ لا خطوط حمراء على المستويات كافة.
ويقع لبنان الذي تعمل حكومته جاهدة على معالجة ملف النازحين وفتح نافذة المفاوضات، في مأزق كبير، كما يرى صافي، في وقت تعمل فيه تل أبيب، على فرض واقع يعزز تحقيق شروطها في المفاوضات المرتقبة .
فيما اعتبر السياسي اللبناني والمنسق العام لحزب "النجادة" عدنان الحكيم، أن الحرب الأمريكية على الشرق الأوسط بأدواتها الإسرائيلية، ليست فقط على حزب الله ولكن على الدولة العميقة وما يرتبط باتفاق الطائف الذي تقوم عليه العملية السياسية منذ سنوات.
وأضاف الحكيم لـ"إرم نيوز"، أن ما يحدث بضرب البنية التحتية وتجاوز الخطوط الحمراء في ذلك، هو تغيير جذري للتعامل الإسرائيلي مع مفهوم الدولة اللبنانية ومن سيتحكم فيها بالمستقبل.
ويتوقع الحكيم في هذا الصدد، أن مع انتهاء هذه الحرب، لن تتواجد ذات الأطراف الحاكمة والمؤثرة الحالية في لبنان، سواء في الحكومة أو على الساحة السياسية، في حال تحقيق ترامب ونتنياهو أهدافهما.
ويعتقد الحكيم أن صورة المكونات السياسية الجارية في لبنان لن تستمر سواء الثنائي الشيعي المكون من حزب الله وحركة أمل، وأيضا العديد من الأحزاب المسيحية القوية حاليا، حيث سيتم تبديل كل ذلك.
ويستكمل بالقول إنه سيكون هناك ظهور لدور لاعب سني جديد قوي مدعوم من الولايات المتحدة ودول عربية، وسيكون حزب الكتائب اللاعب المسيحي الأقوى وصاحب الدور الفاعل والرئاسة بشكل كبير ستكون من نصيبه.
وخلص الحكيم بالقول إن صورة لبنان الجديد سيأخذ بعد هذه الحرب تغيرا جذريا لن يكون فقط متعلقا بوجود حزب الله ولكن أيضا بهيكلة سياسية لبنانية جديدة جملة وتفصيلا.