"أ ف ب": مقتل وزير الدفاع المالي في هجوم السبت على منزله قرب باماكو
تحوَّل مشروع قانون "خدمة العلم" في العراق إلى أحد أكثر الملفات إثارة للجدل داخل البرلمان، بعد أن خرج من إطاره التشريعي إلى مساحة أوسع تتداخل فيها الحسابات السياسية والأمنية وحتى المذهبية، وسط انقسام واضح بين القوى الداعمة والمعارضة.
وخلال الأسابيع الأخيرة، أعادت قوى سياسية طرح المشروع باعتباره مدخلًا لإعادة تنظيم المؤسسة العسكرية، في مقابل تحفظ قوى أخرى على توقيت طرحه، معتبرة أن الأولويات تختلف عن فكرة استقطاب المزيد من المنتسبين؛ ما وضع القانون في قلب نقاشات متشابكة داخل مجلس النواب.
ويحظى المشروع بدعم أطراف سنية، مثل: حزب تقدم، الذي دفع باتجاه إقراره، على أساس أنه يسهم في إعادة بناء الجيش ورفده بطاقات شابة، إلى جانب دوره في معالجة اختلالات تراكمت داخل المؤسسة العسكرية منذ عام 2003، ولا سيما ما يتعلق بضعف الاحتياط العسكري وارتفاع معدلات الأعمار داخل القوات.
كما يقدم المشروع من قبل مؤيديه باعتباره أداة لتعزيز الانتماء الوطني، عبر دمج الشباب من مختلف المحافظات ضمن بيئة عسكرية واحدة؛ ما يسهم في تقليص الفجوات الاجتماعية والطائفية، فضلًا عن إمكانية توظيفه في تنظيم سوق العمل واستيعاب جزء من البطالة المتزايدة.
بدوره، قال الباحث في الشأن الأمني سيف رعد إن "نجاح مشروع خدمة العلم لا يرتبط بفكرة القانون بحد ذاته، بل بمدى تهيئة الظروف المناسبة لتطبيقه، سواء على مستوى التوافق السياسي أو القبول المجتمعي".
وأضاف لـ"إرم نيوز" أن "المشروع يحتاج إلى بنى تحتية ولوجستية متكاملة، تشمل المعسكرات والتجهيزات والتدريب، إلى جانب تأمين الموارد المالية الكافية، وهو ما يتطلب تخطيطًا دقيقًا قبل الانتقال إلى مرحلة التنفيذ"، مشيرًا إلى أن "غياب هذه المقومات قد يحوّل القانون إلى عبء إضافي، بدلًا من أن يكون أداة فاعلة في دعم المؤسسة العسكرية أو تحقيق أهدافه الاجتماعية".
في المقابل، تواجه هذه الرؤية اعتراضات من قوى سياسية شيعية، خاصة المقربة من طهران، والمؤيدة لوجود الميليشيات المسلحة، إذ ترى أن طرح القانون في المرحلة الحالية يفتقر إلى الأولوية، في ظل تحديات اقتصادية وأمنية، إضافة إلى الحاجة لتطوير القدرات النوعية للقوات المسلحة.
وتطرح هذه القوى مخاوف من الكلفة المالية المرتفعة للمشروع، سواء على مستوى إنشاء المعسكرات أو تجهيزها أو تغطية النفقات التشغيلية، في وقت تعاني فيه الموازنة العامة ضغوطًا متزايدة، خاصة بعد اندلاع الحرب بين واشنطن وطهران.
ويرى مختصون أن دعم القوى السنية، لهذا القانون يرتبط برغبة في توسيع المشاركة داخل الأجهزة الأمنية، وفتح المجال أمام شرائح جديدة للدخول في هذه المنظومة، في حين تنظر قوى أخرى إلى المشروع باعتباره قد يغيّر معادلات قائمة؛ ما يفسر جانبًا من التحفظات عليه.
ويرى المحلل السياسي عماد محمد أن "رفض الفصائل المسلحة لمشروع قانون خدمة العلم يرتبط بطبيعة هذا القانون، كونه يؤسس لمؤسسة عسكرية أكثر تماسكًا تقوم على تمثيل جميع مكونات المجتمع".
وأضاف لـ"إرم نيوز" أن "بناء جيش وطني بهذه الصيغة يعني مشاكسة الفصائل المسلحة، وخلق نواة مؤسساتية قادرة على إدارة الملف الأمني بشكل مستقل"، مبينًا أن "هذا التحوّل من شأنه أن يحدّ من نفوذ التشكيلات غير النظامية، ويعيد مركز الثقل إلى الدولة ومؤسساتها الرسمية".
وبيّن أن "هذا الانقسام يحمل أيضًا بعدًا مذهبيًّا غير معلن، حيث تلتقي المواقف السياسية مع حسابات تتعلق بالنفوذ والتمثيل داخل مؤسسات الدولة، وهو ما يجعل تمرير القانون مرتبطًا بتفاهمات أوسع من مجرد التصويت عليه داخل البرلمان".
وتعود جذور هذا الجدل إلى التحولات التي شهدتها المؤسسة العسكرية بعد عام 2003، حيث أُلغي نظام التجنيد الإلزامي، وجرى بناء قوات جديدة ضمن سياقات سياسية وأمنية معقدة، رافقتها اتهامات بغياب التوازن واعتماد معايير غير مهنية في بعض المفاصل.
وبرزت هذه الإشكالات بشكل واضح خلال أحداث عام 2014، مع انهيار وحدات عسكرية في مواجهة تنظيم داعش، مقابل صعود دور الفصائل المسلحة؛ ما أعاد فتح النقاش حول طبيعة بناء المؤسسة الأمنية، وحدود دورها، وآليات إعادة تنظيمها.
وتمكَّن البرلمان العراقي من إتمام القراءة الأولى لمشروع القانوني، لكن يبقى مسار تمريره مرهونًا بتوازنات البرلمان، وقدرة القوى الداعمة على حشد الأصوات اللازمة، في ظل استمرار الجدل السياسي حوله.