أظهرت الانتخابات المحلية التي انطلقت السبت في الأراضي الفلسطينية، بما في ذلك مدينة دير البلح وسط قطاع غزة، الذي شهد أول انتخابات منذ عقدين، تغيرًا في السلوك الانتخابي بعد أكثر من عامين على حرب طاحنة شهدها القطاع وامتد لهيبها للضفة الغربية والقدس.
وبرز هذا التحول في قطاع غزة، إذ تنافست أربع قوائم انتخابية لم تمثّل أي واحدة منها فصيلاً فلسطينيًا، خاصة حركتي فتح وحماس، وهما أكبر الأحزاب الفلسطينية، والأكثر تنافسًا خلال الانتخابات التي تجري في فلسطين على جميع المستويات.
وبدا لافتًا في تأليف القوائم الانتخابية اعتمادها على الكتلة العشائرية والعائلية بدلاً من الصبغة الحزبية التي كانت بصمة بارزة لجولات الانتخابات السابقة سواء في الضفة الغربية أو في قطاع غزة.
ويرى الكاتب والمحلل السياسي يونس الزريعي أن إجراء الانتخابات في قطاع غزة مجرد "عملية رمزية"، مشيرًا إلى أن التحديات التي تواجه الفلسطينيين في القطاع أكبر من مجرد إجراء انتخابات دون قدرة على تغيير الواقع.
ويقول الزريعي لـ"إرم نيوز": "الظروف التي أجريت فيها الانتخابات، ونسبة المشاركة المتدنية التي طغت على المشهد الانتخابي تعد مؤشرًا على أن هذه الانتخابات ليست عملية ديمقراطية بالمعنى الحقيقي، بقدر ما هي اختبار لقوة بعض العائلات والعشائر".
ويعد الزريعي أن اعتماد القوائم الانتخابية على حسابات العائلات والعشائر وغياب الوزن السياسي مؤشر على أن الانتخابات لا تعكس حتى الوزن السكاني، خاصة في دير البلح التي تستقبل أكثر من ثلاثة أمثال سكانها من النازحين.
ويضيف: "هذه الانتخابات لا تعطي أي رسالة ولا أي دعم للمسار السياسي الفلسطيني، ولا تعطي دعمًا للواقع في غزة في مرحلة ما بعد الحرب".
ويقول: "عزوف الفصائل عن المشاركة في الانتخابات عبر قوائم ممثلة لها يؤكد أنهم لا يريدون أن يظهروا بمظهر سيئ، لأنهم يدركون الظروف التي تجري فيها الانتخابات، ويعطي قراءة سياسية للمجلس القادم والواقع المرير الذي ينتظره".
ويشدد الزريعي على أن الملف السياسي ما زال غير واضح المعالم في قطاع غزة، خاصة مع انشغال الولايات المتحدة بالحرب في إيران، وتجميد تطبيق اتفاق غزة، متسائلاً عما إذا كان يمكن خلق واقع أفضل في هيئات الحكم المحلي خلال هذه الظروف.
من جانبه، يعد الكاتب والمحلل السياسي عزيز المصري أن مشاركة دير البلح حصرًا في الانتخابات البلدية المحلية تشير إلى هدف واحد فقط، لافتًا إلى أن الفائز في الانتخابات بالقطاع سيكون أمام عقبات كبيرة.
وقال المصري في مقالة له: "الهدف ليس إفراز مجلس بلدي جديد منتخب بقدر ما هي رسالة سياسية لتأكيد وحدة الأرض الفلسطينية بين غزة والضفة تحت السلطة الفلسطينية في ظل الحديث عن لجنة إدارية ومجلس سلام ومستقبل القطاع".
ويضيف "ليس من المهم من يفوز بها، فكل القوائم تكاد تكون متشابهة من حيث التركيبة بأشخاص بعضهم ميّالٌ لفصائل بثوب عائلي وعشائري وجاءت في غفلة من الزمن، وتشكلت على عجالة".
ويمضي قائلاً: "حتى هذه الشخصيات لم تحظَ بدعم من الفصائل الموالية لها، بالمقابل لو كانت الانتخابات بعنوان عريض لقائمة فتحاوية تقابلها قائمة من حماس لوصلت نسبة التصويت فوق 90%".
وبحسب لجنة الانتخابات المركزية الفلسطينية، فإن نسبة التصويت في الانتخابات بمدينة دير البلح وصلت إلى 22.7%، وهي النسبة الأقل في جميع المحافظات الفلسطينية.
ويقول المصري: "لا تحمّلوا انتخابات بلدية دير البلح أكثر من طاقتها ومن طاقة اللحظة السياسية في ظل حرب إبادة، والفائز فيها لن يكون صاحب قرار في ظل فوضى الأوضاع في غزة وسيطرة حماس العسكرية على 45% من أراضيه".