تصاعدت المخاوف في ليبيا من استغلال الجماعات المسلحة للصحراء الشاسعة، التي تتجاوز الـ 340 كيلومتراً، لتمرير أسلحتها ومعداتها العسكرية وتعزيز الأنشطة الموازية مثل التهريب، خاصة في ظلّ الفراغ الأمني هناك.
وأعاد الهجوم الذي استهدف مؤخراً منفذ "التوم" الحدودي ونقطتي وادي بوغرارة والسلفادور، جنوب البلاد، الوضع الأمني في الصحراء الليبية إلى الواجهة.
وعلّق المحلل السياسي الليبي، حسام الفنيش، على الأمر بالقول إنّ "الطبيعة القاسية للصحراء واتساعها المفتوح على حدود متعددة مع دول الجوار جعلت منها منطقة جذب لتحركات الجماعات الإرهابية المسلحة وشبكات التهريب".
وأضاف "هذه الطبيعة توفر عمقاً جغرافياً يصعب مراقبته، ومسالك يصعب ضبطها، ومساحات تسمح بإعادة التموضع والتخفي وبناء خطوط إمداد عابرة للحدود".
وتابع يقول: "مع استمرار الانقسام السياسي وتعدد مراكز النفوذ داخل ليبيا، تآكلت قدرة المؤسسات الرسمية على ضبط هذا المجال الحيوي، ما أفسح المجال أمام اقتصاد موازٍ يقوم على تهريب السلاح والبشر والوقود والموارد الطبيعية".
وأردف الفنيش، في تصريح لـ"إرم نيوز"، أنّ "هذا التحول لا يمكن قراءته بمعزل عن السياق الجيوسياسي الأوسع، فليبيا تقع عند نقطة التقاء بين شمال أفريقيا ومنطقة الساحل والصحراء، وهي منطقة تعاني بدورها من هشاشة أمنية وتنامي الحركات المسلحة".
وأشار إلى أن أي خلل في الصحراء الليبية لا يبقى محصوراً داخل الحدود الوطنية، بل يمتد تأثيره عبر شبكة معقدة من المسارات الصحراوية التي تربط بين بؤر التوتر في الجنوب والعمق المتوسطي في الشمال".
وشدد على أنّ "دول الجوار تجد نفسها أمام معضلة مركبة؛ فهي من جهة متضررة مباشرة من تدفقات السلاح وتسلل العناصر المتشددة ونشاط شبكات الجريمة المنظمة، ومن جهة أخرى تواجه تحديات داخلية تحدّ من قدرتها على إحكام السيطرة الكاملة على حدودها الطويلة والمتداخلة".
كما أن تباين أولوياتها السياسية وتقديراتها للمشهد الليبي أفرز أحياناً مقاربات متباعدة، ما أضعف إمكان بناء استراتيجية إقليمية متماسكة".
وبيّن الفنيش أنّ "انعكاسات هذا الواقع تتجاوز الاعتبارات الأمنية الضيقة، فالصحراء الليبية باتت جزءًا من معادلة أوسع تشمل أمن المتوسط والهجرة غير النظامية واستقرار أسواق الطاقة والتوازنات الدولية في شمال أفريقيا".
وأضاف: "كلما طال أمد الفراغ تعززت الروابط بين الجماعات المسلحة في ليبيا ونظيراتها في منطقة الساحل، بما يخلق فضاءً أمنيًا هشًا عابرًا للحدود يصعب احتواؤه لاحقًا".
تأتي هذه التطورات في وقت يحذّر فيه الجيش الوطني الليبي، بقيادة المشير خليفة حفتر، من تصاعد أنشطة الجماعات المتشددة، لا سيما في ظلّ التطورات الأمنية في تشاد المجاورة والنيجر ومالي.
واعتبر المحلل السياسي الليبي، إبراهيم اسويطي، أنّ "بالفعل تحاول الجماعات المسلحة تحويل الصحراء الليبية إلى معقل لها، مستفيدة من الفراغ الأمني الذي تعرفه المنطقة".
وأوضح اسويطي، في تصريح لـ"إرم نيوز"، أنّ "الجيش الليبي يبذل جهدًا كبيرًا لتأمين الجنوب والصحراء، لكن الجماعات المسلحة تقوم بإعادة تموضع، خاصة المعارضة التشادية وجماعات أخرى إرهابية، وهي تستغل الحدود لأغراض مثل تهريب الأسلحة والبضائع والمخدرات، وهي كلها أمور تشكل خطرًا على الأمن القومي في البلاد".