يرى خبراء عسكريون أن لبنان أمام خيارين، إما المضي في مسار التفاوض السياسي المباشر مع إسرائيل تحت وطأة "شروط المنتصر"، وإما إغضاب إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التي تملك مفاتيح الملفين الاقتصادي والعسكري.
وتؤكد هذه التطورات أن الدولة اللبنانية، التي تشهد حالة تردد ناتجة عن الانقسام الداخلي، تجد نفسها أمام هامش مناورة ضيق، حيث يبرز التفاوض كخيار "مفروض" وحالة اضطرارية تجنّب البلاد غضب الرئيس الأمريكي.
وفي ظل هذا المشهد المعقد، يرى الخبراء أن هناك إمكانية في حال اتباع دبلوماسية مرنة لتجنيب لبنان المزيد من الضغط، عبر تفاوض تقني طويل الأمد، أو أن الرفض سيكون باهظ الثمن وقد يدفع البلاد نحو "سيناريو مظلم" يعيد شبح الحرب كخيار وحيد لا ثاني له.
الخبير العسكري والاستراتيجي، جورج نادر، قال إن لبنان يعيش حالياً موقفا حرجا جداً، لا سيما أن الجميع يعلم أن إسرائيل انتصرت وهي من تفرض شروطها، انطلاقاً من قاعدة أن المنتصر دائماً هو من يفرض شروطه، وبمساعدة الولايات المتحدة.
وأضاف: لذلك فإن الشروط الأمريكية الإسرائيلية تفرض التفاوض المباشر مع لبنان للوصول إلى اتفاقية سلام، أو بالحد الأدنى اتفاقية أمنية تقود إلى وقف الاعتداءات.
وذكر نادر لـ "إرم نيوز" أن الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان تتم بشكل يومي، حيث سُجل منذ اتفاق وقف إطلاق النار سقوط أكثر من 450 قتيلاً، دون احتساب حجم الدمار الهائل، وهو الأمر الذي يسبب حرجاً كبيراً للبنان في مسألة الجلوس إلى طاولة التفاوض المباشر.
وأشار إلى أن التفاوض المباشر بات أمراً مفروضاً على لبنان، وهو خيار صعب بالنسبة له، وهنا يبرز تساؤل حول مدى قدرة الحكومة بدبلوماسيتها على التحايل على هذا المطلب المفروض عليها.
وتساءل: كيف سيكون شكل الحديث مع إسرائيل؟ هل سيتمحور حول اتفاق الهدنة مع إدخال تعديلات عليه، أم سيقتصر على اتفاقية الهدنة الموقعة عام 1942 وحدها، أم ستضاف بنود وتزال أخرى؟ مؤكداً أن الصورة لا تزال ضبابية وغير واضحة حتى الآن.
وأوضح نادر أن السلطة اللبنانية تعيش الآن حالة من الارتباك ولم تأخذ قرارها بعد، فهي من جهة لا تستطيع التفاوض بشكل مباشر في ظل الظروف الحالية من قتل ودمار وتهجير، ومن جهة أخرى لا تملك القدرة على رفض الشروط الأمريكية التي وصفها بالصعبة والقاسية.
ولفت إلى أن السيناريو المتوقع يشير إلى عدم امتلاك الحكومة خيار الرفض، لأن رفض التفاوض مع إسرائيل يعني المزيد من الدمار.
واستدرك: بالوقت نفسه فإن التفاوض سيخلق مشكلة داخلية، إلا إذا نجحت الدبلوماسية في الوصول بالأمور إلى حل وسط كاتفاقية عدم اعتداء، مدعومة من أصدقاء لبنان من فرنسيين وعرب.
واختتم نادر حديثه بالإشارة إلى أن لبنان لا يستطيع إغضاب الولايات المتحدة وبالوقت نفسه يجب مراعاة أن لبنان يمثل نموذجاً خاصاً لا يشبه سيناريوهات الدول الأخرى التي أبرمت اتفاقيات سلام، لذلك فإن إبرام اتفاق سلام مباشر يعد أمراً صعباً في الوقت الحالي وشرطاً قاسياً جداً على الدولة اللبنانية.
من جانبه، قال الخبير العسكري والاستراتيجي العميد نضال زهوي، إن إغضاب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالنسبة للبنان سيشكل أزمة كبيرة، لأنه يمسك بملفين حيويين هما المساعدات والاقتصاد اللبناني المرتبط بالكامل بأنظمة وقوانين مباشرة بالخزانة الأمريكية، مشدداً على أن أي أزمة اقتصادية في لبنان ترتبط أسبابها المباشرة بالوضع الدولي والضغوط الخارجية.
واعتبر زهوي في حديثه لـ "إرم نيوز" أنه من الناحية العسكرية، يمتلك ترامب الورقة الحقيقية لعسكرة الأزمة عبر الضربات الإسرائيلية، وتوسيعها أو تضييقها بناءً على حجم الضغوطات المطلوبة باتجاه الملف اللبناني.
وحول السيناريوهات المحتملة، يرى زهوي أن لبنان اليوم في مساحة ضبابية وسط تردد في الدخول بمفاوضات مباشرة رغم الضغوط الخارجية، وذلك نتيجة الانقسام الداخلي الضخم، معتبراً أن المجتمع اللبناني غير جاهز لتسويات مع إسرائيل رغم التصريحات الإعلامية التي تطالب بذلك، والتي لا تشكل إلا جزءاً ضئيلاً من الواقع على الأرض.
وذكر أن السيناريو الأول والمرجح هو بدء تفاوض شكلي لتجنب إغضاب ترامب، لكنه سيكون طويلاً وبلا نتائج فورية، حيث سيبدأ بملف أزمة الحدود ثم ينتقل لاحقاً لسياق الاقتصاد والشراكة الاقتصادية ومنطقة ترامب الاقتصادية.
وأكد أن المدة التي ستستنزفها مسألة الحدود كفيلة بإعطاء الدولة اللبنانية مزيداً من الوقت، وقد يؤدي ذلك لاحتراق أوراق كثيرة خلال هذه المرحلة.
وأضاف زهوي أن السيناريو الثاني يتعلق بمدى موافقة حزب الله وقبوله بالتفاوض، فضلاً عن مسألة المقبولية الشعبية وإن كانت ستخرج تظاهرات تندد بهذا المسار، مرجحاً أن يكون الموقف في بدايته سلبياً ثم يتلاشى مع الوقت.
ورأى أن القضية الأصعب تكمن في سلاح حزب الله، فإذا بدأت المفاوضات بالضغط على هذا الملف، فإن ذلك سيؤدي إلى اشتعال الداخل أو على الأقل توتر داخلي شديد قد يعيد سيناريو الحرب، الذي أشار إلى أنه مستبعد في الوقت الحالي.
وتابع بالقول: يتمثل السيناريو الثالث والأكثر احتمالاً في الدخول بالتفاوض دون التطرق لملف سلاح الحزب، حيث يمكن أن تمر الأمور بسلاسة دون ضغوط.
واختتم زهوي حديثه بطرح سؤال جوهري، حول الملفات التي ستبدأ بها المفاوضات، وقال: إذا بدأت بملف السلاح سندخل في سيناريو مظلم أي الحرب، أما إذا بدأت بالحدود والانسحاب الإسرائيلي ووقف الاعتداءات الإسرائيلية وعودة الأسرى، فإن الأمور ستسير بسلاسة حتى لو كان التفاوض سياسيا.