ترامب: سترسل دول كثيرة سفنا حربية بالتنسيق مع أمريكا لإبقاء مضيق هرمز مفتوحا
تتزايد الحركة العسكرية الإسرائيلية على الحدود الشمالية، حيث وصلت أرتال دبابات إلى مواقع متقدمة في الجليل الأعلى، مع انتشار وحدات إضافية قرب الخط الأزرق.
كما ترافقت التحركات مع استعدادات لوجستية في القواعد القريبة من الحدود، حيث جرى رفع الجاهزية في التشكيلات البرية وإعادة تنظيم الانتشار الدفاعي.
توسيع العمليات
المعطيات المتداولة في وسائل الإعلام الإسرائيلية تشير إلى دراسة عملية برية تمتد حتى نهر الليطاني، بهدف إقامة نقاط عسكرية داخل الجنوب اللبناني تسمح بمراقبة الحدود وتقييد حركة الوحدات المسلحة في المنطقة.
يرتبط الحديث عن نهر الليطاني في الحسابات العسكرية الإسرائيلية بخلفية تاريخية وقانونية تعود إلى عقود. فالمنطقة الواقعة بين الخط الأزرق والليطاني تُعدّ في الأدبيات الأمنية الإسرائيلية عمقًا جغرافيًا يتيح تقليص نطاق الاحتكاك المباشر مع الحدود الشمالية.
كما أن قرار مجلس الأمن 1701، الصادر عقب حرب عام 2006، نصّ على أن تكون المنطقة الواقعة جنوب النهر خالية من أي وجود مسلح خارج إطار الجيش اللبناني وقوات اليونيفيل، وهو ما جعل الليطاني يتحول إلى خط مرجعي في النقاشات المتعلقة بترتيبات الأمن في الجنوب اللبناني.
هذا الارتباط ليس جديدًا في التاريخ العسكري للمنطقة؛ إذ سبق أن شكّل النهر حدًا لعمليات إسرائيلية سابقة، أبرزها عملية الليطاني عام 1978، ثم الاجتياح الواسع للبنان عام 1982، ما جعل هذا الخط الجغرافي حاضرًا باستمرار في التصورات الإسرائيلية المتعلقة بإقامة منطقة عازلة أو توسيع نطاق السيطرة الميدانية في الجنوب.
التحركات العسكرية تأتي بعد تصعيد ميداني شهد إطلاق صواريخ ومسيرات باتجاه مواقع داخل إسرائيل، تزامن مع سلسلة غارات جوية استهدفت مواقع في الجنوب اللبناني، ما دفع الجيش الإسرائيلي إلى تعزيز انتشاره البري قرب الحدود.
يأتي ذلك في وقت أعلن فيه وزير الدفاع الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، أن الجيش تلقى تعليمات بتوسيع عملياته العسكرية في لبنان بعد موجة صواريخ أطلقت باتجاه شمال إسرائيل.
كما أن التطورات العسكرية ترافقت مع إجراءات ميدانية غير مسبوقة على الأرض، حيث أصدر الجيش الإسرائيلي أوامر إخلاء واسعة لسكان مناطق جنوبية في لبنان.
التحذيرات شملت مناطق تمتد شمالًا حتى ما بعد نهر الزهراني، ما دفع آلاف السكان إلى النزوح باتجاه مناطق أبعد داخل البلاد.
جاء ذلك في وقت تحدثت فيه تقارير إسرائيلية عن اجتماع للمجلس الوزاري الأمني المصغر في إسرائيل "الكابينت" لبحث توسيع العمليات العسكرية في لبنان، مع طرح خيار عملية برية تهدف إلى تعميق السيطرة داخل الجنوب اللبناني وإقامة نقاط عسكرية إضافية في المنطقة الحدودية.
في المقابل، دعت الحكومة اللبنانية إلى تجنب انزلاق البلاد إلى مواجهة أوسع، حيث شدد رئيس الوزراء نواف سلام على ضرورة عدم جر لبنان إلى الحرب الإقليمية الجارية، مؤكدًا أن استقرار البلاد يجب أن يبقى أولوية في ظل تصاعد التوترات في المنطقة.
منطق السيطرة الميدانية في الحسابات العسكرية
الحديث عن إقامة نقاط عسكرية داخل الجنوب اللبناني يعكس توجهًا مرتبطًا بإدارة الجبهة الشمالية عبر حضور بري مباشر.
هذا النوع من العمليات يهدف إلى فرض بيئة أمنية جديدة داخل نطاق جغرافي محدود، فالنقاط العسكرية المتقدمة توفر قدرة مراقبة دائمة، وتمنح القوات المنتشرة إمكانية التدخل السريع في حال حدوث إطلاق نار أو تحركات عسكرية في القرى الحدودية.
وتحتفظ المنطقة الواقعة بين الخط الأزرق ونهر الليطاني بأهمية عسكرية واضحة في الحسابات الإسرائيلية، حيث توفر السيطرة الميدانية على أجزاء من هذه المنطقة عمقًا أمنيًا للحدود الشمالية وتحد من قدرة عناصر "حزب الله" على استخدام هذه المساحة كنقطة انطلاق للهجمات.
في المقاربات العسكرية المتعلقة بالحدود اللبنانية يُفرَّق عادة بين أكثر من نمط للتدخل البري. فهناك التوغل التكتيكي الذي يهدف إلى تنفيذ عمليات محدودة ضمن نطاق زمني قصير ثم الانسحاب، في مقابل المنطقة العازلة التي تقوم على انتشار عسكري داخل شريط حدودي لفترة أطول بهدف تقليص نطاق التهديدات المباشرة.
أما الانتشار الميداني الممتد فيعني بقاء القوات مع إنشاء مواقع مراقبة ونقاط تحكم تسمح بإدارة مستمرة للمجال الحدودي.
هذه الصيغ ظهرت بأشكال مختلفة في تاريخ الصراع، من العمليات المحدودة التي شهدها الجنوب في أواخر السبعينيات، مرورًا بالحرب الواسعة التي اندلعت في مطلع الثمانينيات، وصولًا إلى مرحلة الوجود العسكري الإسرائيلي الطويل في الشريط الحدودي حتى عام 2000، وهو ما يجعل أي نقاش حالي حول التحركات البرية محمّلًا بإرث طويل من التجارب العسكرية في تلك المنطقة.
في حين تشير تقديرات صادرة عن معهد دراسة الحرب (ISW) إلى أن الجبهة اللبنانية تشهد تصعيدًا ملحوظًا في وتيرة الهجمات، حيث سجلت عشرات الضربات الصاروخية والطائرات المسيرة المتبادلة خلال أيام قليلة فقط.
ويرى المعهد أن هذا التصعيد يعكس ترابطًا متزايدًا بين المواجهة الدائرة مع إيران والاشتباكات على الحدود اللبنانية، بما يحوّل الجبهة الشمالية إلى جزء من المشهد الإقليمي الأوسع للحرب.
الجبهة اللبنانية في معادلة التصعيد الإقليمي
المحلل السياسي اللبناني، نضال السبع، يقول خلال حديثه لـ"إرم نيوز" إن التركيز الإسرائيلي على خيار التوغل البري في الجنوب يرتبط بطبيعة الجبهة اللبنانية نفسها، حيث تحولت هذه الجبهة إلى مساحة مفتوحة لا تخضع لسلطة عسكرية رسمية واحدة. هذا الواقع جعل الحدود الجنوبية عرضة لتحولات مفاجئة في ميزان القوة كلما ارتفع مستوى التوتر الإقليمي.
كما يرى أن أي توغل بري، حتى وإن جاء ضمن نطاق جغرافي محدود، يضع لبنان أمام مرحلة أكثر حساسية على المستوى الأمني. فطبيعة الجنوب اللبناني، بما يحمله من كثافة سكانية وتركيبة ميدانية معقدة، تجعل أي تحرك عسكري واسع هناك سريع الانعكاس على الداخل اللبناني نفسه.
بينما يعتبر الباحث السياسي أحمد البحيري، في حديثه لـ"إرم نيوز"، أن التطورات الأخيرة على الحدود اللبنانية تكشف اتجاهًا إسرائيليًا لإعادة تنظيم المشهد العسكري في الجبهة الشمالية ضمن إطار أوسع يتجاوز الساحة اللبنانية نفسها. فالتصعيد الجاري، في تقديره، يعكس تحولًا في طريقة إدارة إسرائيل للجبهة الشمالية في ظل تعدد ساحات الاشتباك.
ويشير إلى أن التحركات على الحدود تعكس إدراكًا متزايدًا داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية بأن نمط الاشتباك القائم منذ سنوات لم يعد كافيًا لضبط الجبهة الشمالية.
ولفت إلى أن الضربات الجوية والعمليات المحدودة لم تمنع استمرار إطلاق الصواريخ أو فتح جولات تصعيد متقطعة، ما يدفع القيادة العسكرية إلى دراسة أدوات ميدانية مختلفة قد تمنحها قدرة أكبر على إدارة هذه الجبهة.
وفي تقديره، فإن أي توغل بري داخل الجنوب اللبناني لن يكون مجرد عملية عسكرية تقليدية، بل خطوة تحمل أبعادًا استراتيجية تتصل بإعادة تشكيل البيئة الأمنية في المنطقة الحدودية.