logo
العالم العربي
خاص

هروب أم تكتيك محسوب.. حزب الله يلتزم الصمت قبيل الحرب القادمة

صور نصرالله في أحد شوارع الضاحية

تسجل الأجهزة الأمنية اللبنانية، منذ أيام، مستوىً غير مسبوق من الانضباط داخل مناطق نفوذ ميليشيا حزب الله، ولا سيما في الضاحية الجنوبية لبيروت. وتشير هذه المصادر خلال حديثها لـ "إرم نيوز" إلى غياب المظاهر المسلحة، وتراجع أي نشاط ميداني يمكن تفسيره كاستفزاز أو رسالة تصعيدية، فيما خفّض الحزب منسوب خطابه الإعلامي، في وقت تُدار فيه الجبهة الجنوبية بمنطق "الصمت المشدود" وفقا للمصادر.

وتؤكد المصادر أن هذا الهدوء ليس انعكاسا لانفراج، بل جزء من قرار محسوب بتفادي تقديم أي ذريعة لعمل عسكري إسرائيلي استباقي، في ظل تصاعد الحديث الإقليمي عن ضربة وشيكة ضد إيران، واحتمال توسعها إلى ساحات أخرى. 

أخبار ذات علاقة

الجيش اللبناني خلال جولة إعلامية في قطاع الليطاني الجنوبي

مسؤول لبناني سابق: الضربة الإسرائيلية ضد حزب الله "حتمية"

لكن هذا الانضباط، وفق المصادر نفسها، لا يبدد القلق بقدر ما يعمقه. فالجنوب اليوم جبهة مؤجلة لا مغلقة، والهدوء القائم يشبه "تعليق الاشتعال" لا إلغاءه، وسط غياب أي ضمانات حول سقف التصعيد أو توقيته.

قرار أم اضطرار؟

تفيد معلومات خاصة حصل عليها "إرم نيوز" من مصادر أمنية لبنانية وأخرى قريبة من دوائر القرار داخل حزب الله، بأن الحزب يتجه، في حال اندلاع مواجهة واسعة تستهدف إيران، إلى تفادي إطلاق الرصاصة الأولى من الجبهة اللبنانية.

ويُقدّم هذا الخيار داخل الحزب بوصفه "إدارة عقلانية للمعركة"، تقوم على عدم استدراج حرب شاملة إلى لبنان، إلا أن هذا التوجه يثير تساؤلات جدّية في الأوساط السياسية والأمنية اللبنانية، فيما إذا كان  هو قراءة استراتيجية متقدمة لتبدّل قواعد الاشتباك؟ أم محاولة لتفادي كلفة حرب يدرك الحزب مسبقا أنها ستكون مدمرة للبنان قبل أي طرف آخر؟

تريّث محسوب

بحسب الباحث والكاتب السياسي مازن بلال، فإن خيار عدم المبادرة لا ينطلق فقط من حسابات عسكرية، بل من إدراك واضح لحجم الدمار الذي قد تخلّفه أي مواجهة واسعة في الداخل اللبناني المنهك اقتصاديا واجتماعيا.

في هذا الصدد، يشير بلال في تصريح لـ "إرم نيوز" إلى أن "الحزب، رغم امتلاكه قدرات ردعية متقدمة، بات أكثر وعيا بأن استخدامها في توقيت غير محسوب قد يفتح الباب أمام ردّ إسرائيلي واسع لا يمكن احتواؤه سياسيا أو ميدانيا، خاصةً في ظل غياب أي غطاء دولي للبنان".

بهذا المعنى، يتحول "التريّث" إلى خيار أقل كلفة مرحليا، لكنه يضع البلاد في حالة انتظار قلق، حيث يدفع اللبنانيون ثمن التهديد، دون أن يكون لهم أي دور في قرار الحرب أو السلم. 

أخبار ذات علاقة

نازحون في لبنان

"العمود الفقري" يتصدع.. تآكل صامت في الكادر الوسيط لـ"حزب الله" اللبناني

طهران لا تريد حرق الورقة

تؤكد مصادر مقربة من حزب الله أن هذا التوجه ينسجم مع قناعة إيرانية ترى أن الزج بالحزب في المراحل الأولى من أي حرب على إيران سيحقق مكاسب محدودة، مقابل خسارة استراتيجية كبرى تتمثل في استنزاف أقوى أذرع طهران الإقليمية في لحظة مفصلية.

لكن هذا الانسجام الإقليمي يفتح إشكالية لبنانية داخلية واضحة، حيث تُدار الحسابات من منظور إقليمي صرف، بينما يُترك لبنان معلّقا بين احتمال الانفجار العسكري واحتمال الانهيار الاقتصادي - الأمني، من دون أن يكون شريكا فعليا في القرار.

الغياب كأداة ضغط

من جهته، يرى مازن بلال أن امتناع حزب الله عن المبادرة لا يعني حيادا، بل شكلا آخر من أشكال الضغط. فإبقاء الجبهة الشمالية لإسرائيل في حالة استنفار دائم، من دون اشتباك مباشر، يفرض كلفة أمنية ونفسية مستمرة على تل أبيب.

في المقابل، يضع هذا الأسلوب لبنان في موقع "الدرع المؤجّل"، حيث يتحمل تبعات التهديد الدائم دون أن يملك القدرة على التحكم بلحظة الانفجار.

وتلفت هذه القراءة إلى أن الحزب يحاول إدارة الصراع بأدوات غير تقليدية، لكنه لا يقدم للبنانيين إجابة واضحة عن متى وكيف ولماذا قد تُفتح الجبهة.

متى يسقط خيار "الانضباط"؟

وفق تقديرات أمنية لبنانية، يبقى خيار عدم إطلاق الرصاصة الأولى قائما ما لم تتعرض بنية الحزب العسكرية أو قياداته لضربة مباشرة وكبيرة. عندها؛ تؤكد المصادر، لن يكون الرد موضعيا ولا مضبوط الإيقاع، بل شاملا، مع ما يحمله ذلك من تداعيات ثقيلة على لبنان. 

أخبار ذات علاقة

طائرة مقاتلة تابعة لسلاح الجو الإسرائيلي

من حزب الله إلى إيران.. "الضربة الحديدية" تعيد ترتيب الأولويات الإسرائيلية

وتختم المصادر بالقول إن الحزب يدرك أن أي حرب مقبلة لن تكون نسخة مكررة عن حروب سابقة، وأن هامش المناورة بات أضيق بكثير، ما يفسّر هذا التريّث الذي يصوره الحزب باعتباره حكمة، بينما يعتبره الآخرون مراهنة خطرة على الوقت.

بهذا المعنى، لا يبدو خيار حزب الله بعدم المبادرة تعبيرا عن قوة مطلقة، بقدر ما هو اعتراف ضمني بحجم المخاطر، ومحاولة لإدارة حرب يعرف الجميع أنها، إن اندلعت، ستُفرض على لبنان، وسيدفع لبنان قبل غيره ثمنها الأغلى .

logo
تابعونا على
جميع الحقوق محفوظة © 2025 شركة إرم ميديا - Erem Media FZ LLC