بعد عقد من الهدوء النسبي، عادت مشاهد العنف المنظم لتخيم على المحافظات الجنوبية اليمنية، وسط مخاوف من انزلاق المنطقة نحو دورة صراع جديدة.
وشهدت محافظة شبوة، الأربعاء، سقوط 5 قتلى وأكثر من 30 جريحاً برصاص قوات أمنية وعسكرية فضت احتجاجات شعبية بالقوة المفرطة. وتأتي هذه التطورات في ظل موجة غضب متصاعدة يرفض من خلالها المحتجون ما يصفونه بـ"محاولات الالتفاف على القضية الجنوبية"؛ ما يضع الاستقرار الهش في الجنوب على المحك.
وقالت اللجنة الأمنية بشبوة، إن سقوط الضحايا جاء عقب تعرّض الوحدات الأمنية والعسكرية لاعتداء من قبل "عناصر مندسّة مسلحة"، أثناء محاولتها اقتحام ديوان المحافظة؛ وهو ما أدى إلى وقوع قتلى وجرحى.
في المقابل، أوضح المجلس الانتقالي الجنوبي في المحافظة، أنه عرض على اللجنة الأمنية والسلطة المحلية تأمين الفعالية وتفتيش المتظاهرين لمنع وقوع أي إشكالات، وهو ما قابلته الجهات المعنية بـ"الرفض والتهجّم والتهديد والوعيد" وفق تعبيره.
وأكد المجلس أنه لجأ إلى نقل الفعالية إلى موقع آخر، بعيد عن المرافق الحكومية، "حرصا على تفادي أي صدام"، وبيّن أن القوات اقتحمت لاحقا موقع الفعالية الجماهيرية ودمّرت منصّتها الرئيسة، قبل أن تطلق النار بشكل مباشر على المتظاهرين، رغم تواجدهم على مسافة بعيدة من مبنى السلطة المحلية، عبر عناصر أمنية وعسكرية وصفتها بـ"الملثّمة".
وتكشف الروايتان المتناقضتان حجم التصعيد الخطير الذي يعصف بالمشهد الجنوبي، في ظل القلق المتزايد من مآلات الاعتماد على الاستراتيجية الأمنية الصرفة في مواجهة مطالب سياسية متجذّرة، لطالما أخفقت الحلول القسرية في تفكيكها أو كبح ديناميات الغضب الجنوبي، خلال المراحل السابقة.
ويرى خبراء أن لجوء السلطات الأمنية للخيار القمعي برزت مؤشراته منذ الأسبوع الماضي، عبر حملات المداهمة والاعتقال التي شهدتها مديريات وادي حضرموت، على خلفية فعالية سيئون الاحتجاجية الأخيرة.
وحذّر الخبير السياسي والعسكري، العقيد محسن الخضر، من خطورة تكريس المعادلة القمعية باعتبارها الأداة الوحيدة لاحتواء مطالب الجنوبين، واصفا هذا النهج بأنه "إدارة أمنية قصيرة النظر لأزمة سياسية عميقة ومتراكمة".
وقال الخضر في حديثه لـ"إرم نيوز"، إن هذا السلوك الأمني يعكس محاولة غير مدروسة للسيطرة على موجة غضب شعبي متصاعدة، ناتجة عن عقود من التهميش والصراع، تغذّيها التحوّلات السياسية والعسكرية الحديثة، التي يرى فيها قطاع واسع من الجنوبيين استهدافا مباشرا لجوهر القضية الجنوبية، ومحاولة لإعادة هندسة تمثيلها السياسي، عبر ترتيبات مفروضة من خارج إرادتهم.
وذكر أن تحويل الاحتجاجات السلمية إلى ملف أمني، والتعامل معها بمنطق الردع والقوة، لا يؤدي إلى تفكيك أسباب الغضب أو احتوائه، بل يؤدي إلى مضاعفة الاحتقان وتوسّع فجوة الثقة بين الشارع والسلطة، ومن ثم قد يدفع المشهد نحو مزيد من الاستقطاب والتوتر.
وأكد الخضر أن هذا النمط من التعامل يقوّض فرص أي معالجة سياسية جادة، في وقت تتطلب فيه المرحلة مقاربة شاملة وعقلانية، تعالج جذور الأزمة، وتحترم في الوقت ذاته الحق في التعبير السلمي المكفول قانونيا ودستوريا.
وعلى مدى الأيام الماضية، شهدت مناطق الجنوب المختلفة، حراكا شعبيا متناميا، عبّر عن رفض واسع لما يُوصف بمحاولات "الالتفاف على المشروع الوطني الجنوبي"، واستهداف المجلس الانتقالي الجنوبي ورئيسه عيدروس الزبيدي، مع التأكيد على التمسك بالإعلان الدستوري بوصفه مسارا تدريجيا وآمنا لمعالجة الأزمة السياسية.
ويحذر متابعون من أن الجنوب يمر اليوم بحالة غضب غير مسبوقة، تتقاطع مع فراغ سياسي مقلق، يغيب فيه الكيان الجامع القادر على توجيه وضبط إيقاع الشارع، وتنظيم حراكه، ومنع انزلاقه نحو مسارات الفوضى، مشيرين إلى أن قرار حلّ المجلس الانتقالي الجنوبي بإرادة خارجية، شكّل "خطأ جسيما" من حيث التوقيت والمضمون، وأسهم في إضعاف أي إمكانية لإدارة الخلافات أو احتواء الاحتقان، في مرحلة بالغة الحساسية والتعقيد.