logo
العالم العربي

شلل سياسي مزمن.. كيف تحول التعطيل الدستوري إلى نمط حكم في العراق؟

سيدة تحمل بيدها العلم العراقيالمصدر: (أ ف ب)

لم يعد الشلل السياسي في العراق حالة طارئة تُقاس بحدث سريع أو استحقاق واحد، بل تحول خلال السنوات الأخيرة إلى نمط إدارة شبه دائم، تتجاوز فيه القوى السياسية المدد الدستورية من دون كلفة سياسية أو قانونية تُذكر.

ومساء الخميس الماضي، دخل العراق عمليًّا في مأزق الفراغ الدستوري بعد إخفاق مجلس النواب للمرة الثانية في عقد جلسة مكتملة النصاب لانتخاب رئيس الجمهورية، من دون تحديد موعد بديل واضح، في تكرار بات مألوفًا لسيناريو تعطيل الاستحقاقات الدستورية بسبب الخلافات السياسية، ولا سيما بين الحزبين الكرديين الرئيسيين حول مرشح المنصب.

أخبار ذات علاقة

محمد شياع السوداني ونوري المالكي خلال لقاء سابق

فك ارتباط أم "فخ سياسي".. الإطار التنسيقي أمام اختبار ضبط توازنات المشهد العراقي

ويحدد الدستور العراقي سقفًا زمنيًّا واضحًا لانتخاب رئيس الجمهورية خلال 30 يومًا من تاريخ انعقاد الجلسة الأولى لمجلس النواب، مع استمرار الرئيس القائم بتصريف مهامه لحين انتخاب بديل جديد، غير أن تجاوز هذه المهلة أعاد إلى الواجهة إشكالية تفسير النصوص الدستورية، ومحاولات بعض القوى السياسية تسويق فكرة أن المدد تحتسب بأيام العمل الرسمي دون العطل، وهو تفسير لا يستند إلى نص دستوري أو نظام داخلي للبرلمان.

الأحزاب الكردية والإطار التنسيقي

وفي هذا السياق، حذّر مجلس القضاء الأعلى في بيان سابق، من خطورة تجاوز التوقيتات الدستورية الخاصة بتعيين رئيسي الجمهورية ومجلس الوزراء، داعيًا القوى السياسية إلى الالتزام الصارم بالمدد المحددة، ومنع أي تدخلات خارجية قد تهدد الاستقرار السياسي والمسار الديمقراطي.

غير أن الشلل لا يتوقف عند عقدة رئاسة الجمهورية، بل يمتد إلى مشهد سياسي أكثر تعقيدًا، يتمثل في تردد القوى الشيعية، وتحديدًا "الإطار التنسيقي"، في حسم ملف مرشح رئاسة الوزراء، بعد تصاعد الحديث عن ضغوط خارجية، أبرزها "الفيتو الأمريكي" على عودة نوري المالكي إلى المنصب، وهو ما أربك حسابات التحالف الحاكم، ورفع احتمالات تجاوز المدد الزمنية المخصصة لتشكيل الحكومة.

وفي هذا السياق، يرى المحلل السياسي رياض الوحيلي أن "ما يجري لا يمكن وصفه بالتعطيل المتعمد، بقدر ما هو تجاوز للمدد الدستورية نتيجة خلافات سياسية عميقة، ولا سيما بين الحزبين الكرديين بشأن منصب رئيس الجمهورية".

 ويشير في حديث لـ"إرم نيوز" إلى أن "قوى سياسية أخرى أبدت التزامًا بالاستحقاقات الدستورية، من خلال انتخاب رئيس البرلمان ونائبيه، واختيار الإطار التنسيقي مرشحه لرئاسة الوزراء" مرجحًا أن "يتم الضغط باتجاه حسم الملف الكردي داخل البرلمان وفق الصيغ الدستورية، من دون إطالة أمد الأزمة".

تطبيع الشلل

ويجمع مراقبون على أن استمرار هذا النمط من الشلل، إذا لم يُواجه بإجراءات دستورية واضحة، قد يعيد العراق إلى دوامة عدم الاستقرار، ويعمق الفجوة بين النص الدستوري والممارسة السياسية، في بلد لم يعد يعاني من غياب القواعد، بقدر ما يعاني من غياب الالتزام بها.

وبحسب قراءات سياسية، فإن ما يجري لا يمكن فصله عن سياق أوسع من "تطبيع الشلل"، حيث بات تعطيل المدد الدستورية يُدار كجزء من لعبة التوازنات السياسية، وليس كخرق يستوجب المساءلة؛ ما فتح الباب أمام فراغات متتالية في مؤسسات الدولة، وتأخير القرارات، وتعليق مشاريع حيوية تمس الحياة اليومية للمواطنين.

في المقابل، يرى الباحث في الشأن السياسي مجاشع التميمي، أن "أخطر ما يواجه النظام السياسي العراقي اليوم هو تحول خرق المدد الدستورية إلى ممارسة طبيعية بلا ردع"، مشيرًا إلى أن "النخبة السياسية حوّلت النصوص الدستورية من بنود ملزمة إلى مواعيد إرشادية، عبر التسويف وإدارة الخلافات خارج المؤسسات الرسمية".

 ويؤكد التميمي في حديث لـ"إرم نيوز"، أن "المشكلة لا تكمن في غموض النصوص، بل في تعطيل الإرادة الدستورية؛ ما أفرغ الدستور من وظيفته الضابطة، ورسخ منطق إدارة الدولة بالأمر الواقع".

logo
تابعونا على
جميع الحقوق محفوظة © 2026 شركة إرم ميديا - Erem Media FZ LLC