وسط التحولات المتسارعة التي تعصف بالمشهد السياسي اليمني، برز الاحتشاد الشعبي الواسع في العاصمة المؤقتة عدن كرسالة سياسية واضحة، تعكس تمسّك الشارع الجنوبي بخياراته الوطنية، ورفضه لأي محاولات تقوّض مشروعه السياسي أو الالتفاف على حقه في تقرير المصير.
وخرج آلاف المتظاهرين، أمس السبت، في فعالية جماهيرية لتجديد التفويض الشعبي للمجلس الانتقالي الجنوبي بقيادة عيدروس الزبيدي، وأعلنوا رفضهم القاطع لإجراءات حلّ المجلس، معتبرين إياها خطوات "باطلة" تفتقر إلى المشروعية القانونية، وتتعارض مع إرادة الشارع الجنوبي وتمثيله الحقيقي.
ويرى محللون، أن الفعالية الحاشدة حملت دلالات سياسية تتجاوز بعدها الاحتجاجي؛ إذ عكست السخط الشعبي إزاء المساس بالقضية الجنوبية ومحاولات الالتفاف عليها، في حين رسّخت في الوقت ذاته معادلة التفويض للانتقالي الجنوبي كمظلة سياسية جامعة، في مواجهة ما يعتبره الجنوبيون "مساعي لإعادة إنتاج الوصاية وتفريغ مكتسباتهم من مضمونها".
كما شكّل الحشد رسالة ضغط مزدوجة، موجهة إلى الأطراف المحلية والإقليمية، "مفادها أن أي ترتيبات سياسية تُفرض من خارج إرادة الشارع أو تتجاهل تطلعاته، ستظل عرضة للرفض الشعبي وقابلة للانفجار في أي لحظة"، وفق محللين سياسيين.
ويؤكد المدير الإقليمي لمركز "سوث 24" للدراسات، يعقوب السفياني، أن التحرك الجماهيري اتسم بالعفوية الكاملة، دون تعبئة تنظيمية مباشرة من المجلس الانتقالي أو لجانه، ومع ذلك مثّل إحدى أكبر الفعاليات خلال الأشهر الماضية؛ ما يعكس عمق الاحتقان الشعبي.
وأشار إلى أن قرار حلّ المجلس الانتقالي مسّ أحد أبرز المنجزات السياسية للقضية الجنوبية، بعد مسار طويل من الحراك السلمي والعمل السياسي المنظم، وفجّر حالة من الغضب المكبوت في الشارع.
وأضاف السفياني أن الرسالة الجوهرية للفعالية الجماهيرية تمثّلت في تشبث الشارع بقضيته العادلة، والتأكيد أن قرارها المصيري شأن داخلي بحت.

وقال إن الآمال منعقدة على الحوار الجنوبي – الجنوبي المزمع عقده خلال الفترة الماضية، مؤكدًا أهمية وجود النوايا الصادقة والعمل الحقيقي لحل القضية العالقة من عقود، وإنصاف الجنوبيين ومنحهم حق تقرير المصير وفق ما يرتضيه الشعب.
وبيّن السفياني أن أي حلول منقوصة أو تسويات تفتقر إلى الإنصاف الحقيقي "ستصطدم بإرادة الشارع في الداخل؛ ما يفتح الباب أمام مزيد من التعقيدات السياسية والمشكلات للمنطقة والإقليم".
ويرى المحلل السياسي، ياسر اليافعي، أن ترك الشارع الجنوبي بلا مظلة تمثيلية تحظى بتوافق الأغلبية، بعد أكثر من عشرين عامًا من التضحيات يعني عمليًّا "اتساع الفراغ السياسي، واستمرار المتاجرة بقضيته، وفتح الباب أمام محاولات الاستغلال والعبث بمطالب الناس".
وقال اليافعي، إن بقايا الأحزاب والقوى اليمنية التي تمتلك سجلًّا صداميًّا مع الجنوب، تتحيّن الفرصة للانقضاض عليه والالتفاف على إرادة أبنائه، "ولهذا اندفعت نحو حلّ المجلس الانتقالي ليس حبًّا بالجنوب، بل للبحث عن بديل يسيطر على القرار ويُعيد الوصاية بأسماء جديدة".
وذكر أن إعادة هيكلة المجلس الانتقالي الجنوبي، ضمن رؤية واضحة وتصوّر عملي كانت هي الأجدى، للحفاظ على ما تحقق من مكتسبات سياسية، وصون وحدة الشارع، وضمان وجود قيادة قادرة على إدارة المرحلة وتوجيهها إذا ما جرى التوصل إلى أي ترتيبات أو حلول سياسية".
مؤكدًا أن الاحتشاد الجماهيري "في ظل ظروف استثنائية ومشاعر القهر التي خلفتها الأحداث الأخيرة"، يؤكد "صلابة الشارع الجنوبي وعدم قبوله بالوصاية أو التراجع عن أهدافه مهما تعاظمت الضغوط".
واعتبر البيان الصادر عن "مليونية الوفاء والصمود" بعدن، أن رئيس مجلس القيادة الرئاسي، رشاد العليمي، "انقلب على المجلس المبني على التوافق، وأفرغه من مضمونه"، مؤكدًا أن ذلك يُنهي "شرعية المجلس سياسيًّا وأخلاقيًّا على أرض الجنوب".
رئيس تحرير مؤسسة "مراقبون" الإعلامية المستقلة، ماجد الداعري قال، إن قرار العليمي الصادر لعزل رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي عيدروس الزبيدي، من عضوية مجلس القيادة الرئاسي، "زاد الرجل شعبية وتأييدًا حتى ممن كانوا يناهضونه ويرفضون مشروعه".
واستبعد الداعري الأنباء التي تزعم مغادرة الزبيدي، مرجّحًا حضوره على الأرض لإدارة تفاصيل المشهد الجنوبي، بعد أن وجّه بنقل الأسلحة والعتاد من عدن لتجنيب المواطنين أي كلفة، وقرر التضحية بكل المناصب والمكاسب السياسية، لأجل التمسك بمواقفه والمكاسب الجنوبية، واختيار الاختفاء المؤقت.
وتوقع ظهوره في أي لحظة بين الجماهير، ليصدم كل خصومه، كما حدث سابقًا أثناء ملاحقته من قبل نظام الرئيس اليمني الراحل علي عبدالله صالح.
بدوره، شدد الباحث السياسي طه بافضل، على أن المرحلة الراهنة تتطلب خطابًا سياسيًّا ناضجًا، يوازن بين الثوابت الوطنية ومتطلبات الواقع الإقليمي والدولي، بعيدًا عن الانفعالات أو القطيعة مع دول الجوار.
وأشار إلى أن تلطيف الخطاب السياسي لا يعني التراجع أو الضعف، بل يعكس إدراكًا دقيقًا لموازين القوى وتشابك المصالح، وأكد أن تحقيق تطلعات الجنوب لا يمكن أن يتم في بيئة العزلة السياسية.
ودعا بافضل إلى تجاوز الخطابات المتشنّجة، وتبنّي لغة سياسية جامعة، قادرة على تحويل الزخم الشعبي إلى مشروع سياسي مستدام، يراكم المكاسب ولا يهدرها.