الدفاعات الجوية الإماراتية تتعامل حاليا مع اعتداءات صاروخية وطائرات مسيرة قادمة من إيران
رأى رئيس الحزب الاتحادي "الموحد" السوداني، محمد عصمت يحيى أن ما صدر عن جماعة الإخوان في السودان حول إيران، لا تمكن قراءته بمعزل عن العلاقة التاريخية بينهما والتي تعود إلى بدايات صعود الإسلام السياسي في المنطقة.
ويضيف يحيى في حوار مع "إرم نيوز" أن ما يجمع إخوان السودان وإيران جوانب كثيرة وأرضية مشتركة، مؤكداً أن تقارب مشاريعهما تقاطعت معاً رغم الاختلافات الفكرية، ما جعل هذا التقارب طبيعياً في نظر قواعد التيار الإخواني في السودان.
ويؤكد يحيى أن التطورات الأخيرة سواء كانت العلاقة مع إيران أو تصنيف الجماعة على لوائح الإرهاب الدولي والضغوط الدولية المتزايدة، ستؤدي دوراً في تشكيل المشهد السياسي في السودان إما برفع منسوب التصعيد لإطالة أمد الصراع أو الدفع باتجاه تسوية سياسية مقبولة، والمشهد الإيراني بطبيعة الحال سيؤثر على مجمل الصورة.
وفيما يلي نص الحوار:
إن موقف جماعة الإخوان المسلمين في السودان ودفاعهم عن إيران في الحرب الحالية ليس خليطاً من البراغماتية السياسية والتقاطع المذهبي كما يعتقد الكثير من المتابعين لمسار هذه العلاقة.
ومنذ استيلاء جماعة "الإخوان" على الحكم بالقوة في السودان في العام 1989 تعمقت العلاقة مع نظام الخميني الذي سبقهم للحكم في 1979 بفضل المعابر السياسية التي فتحها حسن الترابي مع إيران منذ توليهم للسلطة دون اعتبار لأي تطابق مذهبي، ومن يومها أصبحت هناك مظلة للتنظيم العالمي بشقين "سُني وشيعي" له رؤية ومشروع سياسي بعيداً عن الاختلاف المذهبي.
لذلك فدفاع جماعة الإخوان عن إيران هو موقف متأصل، وهو الموقف الذي تتبناه قواعدهم بقوة، بعيداً عن المناورات السياسية والعبارات الدبلوماسية الصادرة من قياداتهم، فهم يرون في إيران أنها هي المُقدِمة للسند السياسي والعسكري والدبلوماسي بلا أي قيود أو تحفظات.
وإذا كان وصف موقف إخوان السودان تجاه إيران بأنه تحالف أيديولوجي كامل أم مصالح إستراتيجية، فالصحيح هو أنه طالما أن الاختلاف المذهبي قد تم الاتفاق على تجاوزه لصالح حساب المصالح الإستراتيجية بينهما، فهذا يعني بالضرورة أن موقف هذه الجماعة تجاه إيران هو موقف متأصل تشبعت به قواعدهم المتواجدة في الأرض على قلتها.
لا شك أن هذا القرار رغم تأخُره لن ينحصر تأثيره على البعد الخارجي فقط، بل سيكون له تأثير كبير على الداخل الذي تتحكم فيه الحركة الإسلامية، وهذا القرار سيعيد تصميم هيكلة الحركة ربما بصورة تحفظ لها إمكانية البقاء.
فالحركة وطوال تاريخها الممتد منذ دخولها السودان في عام 1946 ظلت موسومة بالتكيُف حسب تقلبات الميدان السياسي ولعل تجربتها خلال الفترة ما قبل الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد الدولة الخُمينية، فقد بدا ذلك التكيُف واضحاً والمتمثل في محاولتها تأسيس دولة إسلامية مُصدِرة لمشروعها السياسي في محاولات لم تتوقف لبسط سيطرة إقليمية.
ورأينا محاولات اغتيال الرئيس المصري حسني مبارك في إثيوبيا وتفجير سفارتي أمريكا في كينيا وتنزانيا كذلك تدمير السفينة يو إس إس كول في اليمن.
كما شهدنا محاولات تغيير أنظمة الحُكم في دولتي تشاد وإفريقيا الوسطى وغيرها من الممارسات ذات الطابع الأيديولوجي، إلا أن الأمر سيبدو مختلفاً بالنسبة لهم فالحرب التي يشنها العالم الحر الآن - هي الأعنف بشقيها العسكري والاقتصادي - ضد الإسلام السياسي بفرعيه.
لذلك فإن مجموعات الحركة الإسلامية الحالية في السودان وبعد رحيل شيخهم المؤسس حسن الترابي هي منظومة مُوحدة، فالمؤسسة العسكرية بأفرُعها ومؤسسات الخدمة المدنية في الدولة كلها تحت إمرة الحركة الإسلامية رغم ما يرشح من تباينات يراها البعض مدعاة للخلاف بين العسكريين المدنيين فيها.
وأن أثر قرار التصنيف لهم كجماعة إرهابية ربما يدفعهم لإيجاد مُخارجة سياسية لهم وذلك بتقديم القوات العسكرية كوكيل سياسي لهم في هذه المرحلة، وهذا الأمر إذا ما حدث فهو يستوجب يقظة سياسية من كل القوى السياسية والمدنية والعسكرية المضادة للحركة.
إن الحركة الإسلامية ومن خلال مشروعها الأيديولوجي ابتلعت كل مؤسسات الدولة العسكرية والمدنية خلال العقود الثلاثة الماضية لذا فاحتمالية تأثير العقاب على توازنات القوى داخل معسكر بورتسودان تبدو ضعيفة من وجهة نظري.
ولكن تأثير العقاب سيطال الحركة بكل مكوناتها العسكرية والمدنية وأعني بذلك أن العقاب سيضعهم أمام أولويتين لا ثالث لهما: الأولوية الأولى هي الانحناء أمام القرار تفادياً لمُترتباته؛ فتأثير العقاب الأمريكي ستبدو مخاطره واضحة في مجال التمويل والاقتصاد، فأي شبكة مرتبطة بالحركة الإسلامية ستصبح تحت مخاطر التجميد والتتبع الدولي.
المؤسسات المصرفية الإقليمية والدولية عادة تلتزم بضوابط الامتثال وعند ذلك تتضاءل الموارد المالية، أيضاً ستضعف شرعية سلطة بورتسودان أكثر مما هي عليها ولكن إذا ما سلمنا جدلاً بفرضية وجود فاصل بين المؤسسة العسكرية والحركة الإسلامية ربما يستطيع عبد الفتاح البرهان كقائد للمؤسسة العسكرية الاستمرار في التعاون مع الحركة الإسلامية بمعادلة تختلف عما هو حادث الآن، ربما بتعاون من وراء الستار وترميز كيانات سياسية ومدنية ومجتمعية جديدة إرضاءً للمجتمع الدولي.
وهذه الموازنة ترتبط بجدية وصرامة تطبيق العقوبات، وما أرجحه أن البرهان وقواته لن يعيشا قطيعة كاملة وفي ذات الوقت لن يعيشا تحالفاً مشرعةً أبوابه.
إن رغبة البرهان ليست في إعادة التموضع والابتعاد عن حلفائه بل السؤال هو هل أصلاً يستطيع أن يعيد تموضعه وأن يتخلى عنهم دون أن يتعرض لأي مخاطر؟
إن قرار وزارة الخارجية الأمريكية سيُحفز ويُشجع البرهان لإعادة تموضعه طمعاً في فك العزلة الدولية والانفتاح على المجتمعين الإقليمي والدولي إلى جانب مؤسساته المالية إذ لا يمكن حدوث ذلك في ظل الارتباط بالحركة الإسلامية.
من حيث الدوافع فهناك ضغط حقيقي مترتب على صدور قرار التصنيف ونفاذه في اتجاه يشجع على إعادة التموضع بمعناه الكامل لكني أرى ذلك من الصعوبة بمكان التخلي الكامل، فالمشكلة ليست مشكلة سياسية بحتة بل متعلقة ببنيوية الدولة السودانية التي جيرت مؤسساتها العسكرية والمدنية لعقود من الزمان.
لذلك فإن إعادة التموضع لن تكون إلا بصورة جزئية لا تتعدى تقليص الواجهات السياسية والشخصيات الإسلامية البارزة، كما لن يتم ذلك إلا بعلمهم وموافقتهم ضماناً لاستمرار وتعزيز نفوذهم، أما ما عدا ذلك فإن القطيعة الكاملة صعبة جداً إن لم تكن مستحيلة حالياً.
والأكثر ترجيحاً هو فك ارتباط جزئي وعلني مع استمرار قنوات النفوذ في السر.
إن القرار من وجهة نظر كثير من السودانيين وعلى وجه الخصوص من يعيشون في مناطق سيطرة "تأسيس" يرون أن القرار سيزيد من الضغوط على الحركة الإسلامية وسيدفعها نحو التسوية لا نحو التشدُد، لكن القرار نفسه ربما يعزز من فرص نشوء تيارين متضادين داخل الحركة الإسلامية بعسكرييها ومدنييها رغم قناعتي بوحدة هذه الحركة، عندها ربما نرى أي التيارين هو الغالب.
كما أن القرار الأمريكي سيرفع تكلفة الاستمرار في الحرب سياسياً واقتصادياً بإيقاف وتجفيف مصادر التمويل وتحييد أوجُه الدعم أو الاعتراف في أي ترتيبات لما بعد الحرب مما يُمكن لتيار التسوية أن يتغلب، في المقابل فالقرار ذاته قد يُفسَّر كتهديد وجودي للحركة ويمكن أن يقودها إلى التشدُد.
لا شك أن القرار يمكن أن يُعيد رسم المشهد ليس داخل سلطة الحركة الإسلامية في بورتسودان، بل له أثره الكبير على كل مكونات الشعوب السودانية التي دفعت الأثمان الباهظة جراء هذه الحرب التي أشعلتها الحركة وما زالت مصرة على تغذيتها والاستمرار فيها وهذا بالطبع يلقي بعبء كبير على عاتق القوى السياسية والمدنية والعسكرية الساعية لاقتلاع الإسلام السياسي.
لذلك فإن الكيفية التي سيعيد بها القرار تشكيل المشهد فهي فاعلية القرار نفسه في الضغط على الجناح العسكري ودفعه للاستجابة لمطالب المجتمعين الدولي والإقليمي بإبعاد الحركة الإسلامية.