logo
العالم العربي
خاص

هل تم تحريك "داعش"؟.. العراق يستنفر استباقيا لإغلاق الحدود أمام "الخطر القاتل"

مرصد للجيش العراقي على الحدود مع سوريا

أكدت مصادر عراقية مطلعة أن بغداد كانت تمتلك صورة مبكرة عن طبيعة التطورات العسكرية التي سبقت اندلاع القتال في شمال شرق سوريا بنحو أسبوع، وأن الأجهزة العراقية بنت "تصورا أمنيا متقدما" للمرحلة المقبلة قبل وصول الأحداث إلى ذروتها، في سياق تنسيق أمني قائم مع دمشق هدفه ضبط أي ارتداد محتمل نحو الحدود العراقية، ومنع تحويل الشمال السوري إلى بوابة مفتوحة لعودة نشاط تنظيم "داعش" وشبكات التهريب.

وبحسب مصادر سياسية وأمنية متقاطعة، فإن التغيرات الميدانية الأخيرة في مناطق حساسة، وما رافقها من اضطراب في خطوط السيطرة على معابر وحقول ومراكز احتجاز، أعادت الملف الحدودي العراقي–السوري إلى واجهة الأولويات بوصفه أحد أخطر ملفات الأمن القومي العراقي، ليس بوصفه أزمة قائمة، بل بوصفه إنذارا مبكرا ينبغي تطويقه قبل أن يترجم إلى تهديد داخل الأنبار ونينوى وصحراء الجزيرة. 

أخبار ذات علاقة

السوداني خلال زيارة قاعدة عين الأسد

العراق.. السوداني يطلع على جاهزية الجيش على حدود سوريا

تنسيق مبكر مع دمشق

تؤكد مصادر سياسية، لـ"إرم نيوز"، أن بغداد لا تتعامل مع ما يجري في شمال شرق سوريا كحدث منفصل، بل كمرحلة انتقالية مفتوحة على احتمالات متعددة، يكون أخطرها خلخلة منظومات السيطرة المؤقتة داخل العمق السوري، بما يخلق "فراغا قصيرا" يكفي لاستغلاله من قبل خلايا داعش أو مهربين أو مجموعات مسلحة عابرة للحدود.

وتشير المصادر إلى أن العراق قرأ المشهد من زاوية واحدة: هل يؤدي تبدل موازين القوى إلى ثغرات أمنية تسمح بعودة النشاط الإرهابي بصيغ جديدة؟ ولهذا السبب تم تفعيل قنوات تبادل المعلومات مع دمشق بشكل أكثر كثافة، في إطار مقاربة براغماتية قائمة على التعامل مع خطر مشترك دون الحاجة لتحويله إلى اصطفاف سياسي معلن.

ووفق هذه المقاربة، فإن الأولوية العراقية أصبحت منع أي سيناريو مرتبط بهروب عناصر متطرفة من مواقع الاحتجاز، أو إعادة تشغيل طرق تهريب كانت مجمّدة خلال الأشهر الماضية بفعل الضغط الأمني.

حدود "متعددة الطبقات"

تنقل المصادر عن مسؤولين عسكريين عراقيين، أن رفع الجاهزية على الحدود الغربية لم يكن خطوة استعراضية، بل تضمن إعادة تموضع في محاور حساسة وزيادة نقاط المراقبة ورفع درجة الإنذار الميداني، خاصةً في مناطق القائم وربيعة والممرات الصحراوية المفتوحة التي تُصنف تاريخيا كممرات تسلل مرنة وصعبة الضبط.

وتشير المصادر إلى أن العراق يعتمد في هذه المرحلة على مفهوم "الحدود متعددة الطبقات"، أي أن خط الدفاع لا يبدأ من الساتر أو الخندق فقط، بل من عمق الصحراء، مرورا بنقاط المراقبة، وصولا إلى عمليات المتابعة داخل المدن والقرى القريبة من خطوط التماس.

وبالتوازي مع ذلك، تواصل بغداد التحصينات الهندسية عبر جدار كونكريتي وسواتر ترابية وخنادق، هدفها تقليص قدرة الجماعات المسلحة على المناورة واستغلال مسارات التهريب القديمة، لكنها لا تُعتبر بديلا عن عنصر الحسم الحقيقي، وهي الاستخبارات، حسب قول المصادر. 

الاستخبارات في الصدارة

تنقل المصادر عن مسؤولين أمنيين أن الخطر المتوقع ليس هجوما واسعا أو موجة اجتياح، بل "تسللات صغيرة لكنها قاتلة"، تقوم بها مجموعات محدودة أو أفراد قادرون على الحركة السريعة والاختفاء داخل مناطق رخوة، قبل تنفيذ ضربات خاطفة أو إعادة وصل خلايا نائمة كانت تحت المراقبة.

وتوضح المصادر أن الأجهزة العراقية كثفت العمل الاستخباري على مسارات التهريب وتقاطعات الصحراء، إلى جانب مراقبة أي نشاط غير طبيعي لشبكات نقل أو دعم لوجستي محتمل، مع تحديث قواعد بيانات المطلوبين وملاحقة الحلقات الوسيطة التي تتولى عادة تأمين المرور والإيواء والتمويل.

كما تشير المصادر إلى أن بغداد تراقب بدقة احتمالات "المرحلة الانتقالية" في الجانب السوري؛ لأن أخطر ما فيها أنها تخلق لحظات قصيرة من الفوضى تكفي لإعادة تشغيل منظومات داعش اللوجستية، حتى لو لم يظهر ذلك فورا في الميدان.

أخبار ذات علاقة

زعيم التيار الصدري في العراق مقتدى الصدر

الصدر يدعو العشائر العراقية لتشكيل مجلس أمني على خلفية تطورات سوريا

فوضى سوريا لا تبقى في سوريا

يرى الباحث السياسي العراقي فراس إلياس، أن سلوك بغداد في هذا الملف يعكس تحولا في العقل الأمني من منطق "رد الفعل" إلى منطق "الوقاية الاستباقية"، مؤكدا أن التجربة منذ عام 2014 أثبتت أن الفوضى السورية لا تتوقف عند حدودها، بل تتسرب بسرعة إلى الداخل العراقي عبر طرق صحراوية ومسارات تهريب وعلاقات محلية معقدة.

ويشير إلياس، في تصريحات لـ"إرم نيوز"، إلى أن خطر داعش اليوم لا يقوم على فكرة السيطرة على مدن كما حدث سابقا، بل على فكرة "استنزاف الدولة" عبر ضربات محدودة ومتكررة، وتغذية المناطق الرمادية، واستغلال أي فراغ مؤقت لتجميع العناصر وخلق شبكات دعم جديدة.

ويضيف أن العراق لا يواجه تحديا حدوديا فقط، بل تحديا مرتبطا بالتحولات داخل سوريا نفسها، لأن أي اهتزاز في إدارة السجون أو المخيمات أو خطوط السيطرة سيخلق فرصة ذهبية لداعش كي يعيد ترتيب صفوفه دون الحاجة إلى ضجيج كبير. 

هل يتم "تحريك داعش"؟

إلى جانب المخاوف التقليدية، تكشف مصادر عراقية، لـ"إرم نيوز"، عن وجود تساؤلات داخل بعض الدوائر المختصة حول احتمال أن تكون موجات الهروب أو الاضطراب في ملف داعش جزءا من "مناخ إقليمي" أوسع، ولا سيما مع تصاعد الحديث عن سيناريوهات التصعيد الكبير في المنطقة.

وبحسب المصادر، فإن هذه الشكوك لا تُطرح بصيغة اتهام مباشر، لكنها تظهر في شكل قراءة أمنية تقول إن إعادة تنشيط خطر داعش في توقيت حساس قد يخلق تأثيرا مزدوجا داخل العراق: الأول، استنزاف الجهد الأمني وإجبار القوات على تشتيت الانتشار في أكثر من اتجاه. والثاني، إشغال الفصائل المسلحة المقربة من إيران بتهديد داخلي معقد، بما يقلل هامش حركتها قبيل أي صدام إقليمي محتمل.

وتضيف المصادر أن بغداد تفضّل التعامل مع هذا السيناريو بوصفه "احتمالا يجب التحسب له"؛ لأن التجارب السابقة أظهرت أن التنظيم غالبا ما يعود في لحظات الفوضى والتحولات، سواء كان ذلك نتيجة فراغ طبيعي أو نتيجة توظيف غير مباشر للارتباك القائم.

أخبار ذات علاقة

وزير الداخلية العراقي عبد الأمير الشمري

"سيناريو متوقع منذ 3 سنوات".. العراق يكشف استراتيجيته الأمنية تجاه سوريا

تهديدات "على الطاولة"

تقول المصادر إن الخطة الحالية للسلطات العراقية تقوم على التعامل مع حزمة مخاطر مترابطة، في مقدمتها، تسللات محدودة لكن متكررة، عودة نشاط خلايا داعش في المناطق الرمادية، استغلال اضطراب المعابر لإعادة تشغيل شبكات التهريب، وتصاعد تهريب السلاح والمخدرات والبشر.

ويختم فراس إلياس بالتأكيد أن العراق يسعى اليوم لتثبيت معادلة واضحة، تقوم على المراقبة الدقيقة لما يجري في شمال شرق سوريا، واحتواء أي تهديد محتمل قبل أن يتحول إلى أزمة داخلية؛ لأن تكلفة الوقاية اليوم أقل بكثير من تكلفة التعامل مع موجة فوضى جديدة لاحقا، حسب قوله.

logo
تابعونا على
جميع الحقوق محفوظة © 2025 شركة إرم ميديا - Erem Media FZ LLC