لم تعد ارتدادات أزمة ترشيح نوري المالكي لرئاسة الوزراء في العراق محصورة داخل اجتماعات قوى "الإطار التنسيقي"، بل بدأت تنسحب إلى مفاصل السلطة في محافظات البلاد، في مشهد كشف حجم التصدع داخل التحالف الشيعي، وأعاد طرح سؤال التوازنات التي حكمت توزيع المناصب منذ انتخابات مجالس المحافظات الأخيرة.
وبعد أيام من تصاعد الخلاف بين ائتلاف دولة القانون، وأحزاب شيعية أخرى، مثل عصائب أهل الحق، وتيار الحكمة، وائتلاف النصر، انفجرت الأزمة في محافظة المثنى، مع تصويت مجلس المحافظة على قبول "استقالة" المحافظ مهند العتابي وهو من "دولة القانون"، وسط جلسة شهدت عراكًا وتشابكًا بالأيدي بين الأعضاء، قبل أن يُنتخب أحمد منفي جودة عن تيار الحكمة، محافظًا جديدًا بأغلبية 10 أصوات من أصل 12.
غير أن العتابي نفى تقديم أي استقالة، مؤكدًا في مقطع مصور أن ما جرى "مريب وغير قانوني"، مشيرًا إلى أنه كان يستعد لجلسة استجواب محددة سلفًا، قبل أن يتفاجأ بتداول خبر استقالته عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
ولاحقًا أعلن استحصال أمر ولائي من المحكمة الإدارية بإيقاف تنفيذ قرارات مجلس المحافظة الخاصة بقبول "استقالته المزعومة"، متعهدًا بسلوك المسارات القضائية جزائيًا ومدنيًا.
وسريعًا دخل رئيس ائتلاف دولة القانون نوري المالكي على خط الأزمة، مؤكدًا أن منصب محافظ المثنى "استحقاق لدولة القانون وفقًا للتوافق داخل الإطار التنسيقي"، وأنه لا يمكن القبول بذهابه إلى أي جهة أخرى، مشددًا على أن أي بديل يجب أن يكون من الكتلة ذاتها، "صونًا للاستحقاق السياسي وحفاظًا على التوازن المتفق عليه".
ويقول الباحث في الشأن السياسي علي السامرائي، إن "تحرك الرمال تحت أقدام الكتلة الأكبر، وتصدع المؤتلفين، بدأ ينعكس على المستويات الأدنى صعودًا إلى الأعلى، وما جرى في المثنى ليس معزولًا عن أزمة ترشيح المالكي لرئاسة الوزراء".
وأضاف لـ"إرم نيوز" أن "الإصرار على الترشيح في ظل اعتراضات داخلية وخارجية فتح الباب أمام اختلالات في منظومة التوافق، وقد نشهد تداعيات مماثلة في محافظات أخرى إذا استمرت الأزمة دون حسم".
وأشار السامرائي إلى أن "تجاوز المدد الدستورية يقابله ارتفاع في الأصوات المطالبة بحل البرلمان وإعادة الانتخابات، خصوصًا مع ضغط الأزمة الاقتصادية وتلويح واشنطن مجددًا بالعقوبات".
ولطالما كانت مجالس المحافظات ومناصب المحافظين مرآة مباشرةً لما يجري في بغداد، إذ تتأثر التوازنات المحلية بأي تصدع أو تفاهم يعقد في العاصمة، بحكم ارتباطها بالكتل السياسية ذاتها التي تمسك بمفاصل القرار في الحكومة الاتحادية ومجلس النواب.
غير أن هذا التشابك بين المركز والأطراف يثير غضبًا شعبيًا متصاعدًا، إذ يرى مواطنون أن مجالس المحافظات أُنشئت لتكون أداة خدمية رقابية تُعنى بالملفات المحلية من بنى تحتية وخدمات وفرص عمل، لا أن تتحول إلى ساحات لتصفية الحسابات السياسية، إذ يشير مراقبون إلى أن تركيبة هذه المجالس، التي تضم الكتل نفسها الممثلة في بغداد، تجعلها امتدادًا للصراع الوطني، الأمر الذي يضعف استقلال قرارها المحلي ويُبقي أداءها رهنًا بالتجاذبات السياسية العليا.
وفي السياق ذاته، يرى الباحث في الشؤون السياسية عماد محمد أن ما حدث في المثنى يعكس انتقال الصراع من مستوى التفاوض السياسي حول رئاسة الحكومة إلى مستوى تثبيت النفوذ داخل مجالس المحافظات.
وقال محمد لـ"إرم نيوز" إن "قوى الإطار بنت معادلة توزيع المناصب على أساس توازنات دقيقة، وأي خلل في رأس الهرم السياسي سيقود تلقائيًا إلى إعادة فتح ملفات الاستحقاق في المحافظات، خصوصًا تلك التي تشهد تنافسًا بين دولة القانون والحكمة أو أطراف أخرى داخل التحالف".
وأضاف أن "الأزمة الحالية ليست قانونية بقدر ما هي سياسية، وما جرى في مجلس محافظة المثنى يعكس محاولة إعادة تموضع داخل الإطار، تحسبًا لسيناريوهات تتعلق بمصير ترشيح المالكي".
وتأتي هذه التطورات في وقت تتصاعد الضغوط على قوى الإطار لحسم ملف رئاسة الوزراء، وسط حديث عن تحركات دبلوماسية مكثفة واعتراضات أمريكية على عودة المالكي، الأمر الذي عمق الانقسام داخل التحالف، بين من يرى ضرورة التمسك بالترشيح باعتباره استحقاقًا سياديًا، ومن يدعو إلى تقديم بديل لتجنب أزمة وعقوبات أمريكية تلوح في الأفق.
ويرى مختصون أن اختبار المثنى قد لا يكون الأخير، فرسم التوازنات في بغداد سينعكس حتمًا على المحافظات، خصوصًا في ظل هشاشة التحالفات المحلية وحداثة تجربتها.