أكثر من 600 ضربة صاروخية ومسيّرة، و17 قتيلاً مدنياً، ولا هدف عسكرياً واحداً أصيب. هذا ما فعلته إيران والميليشيات الموالية لها، بإقليم كردستان العراق في حرب لم يكن طرفاً فيها، وفقاً لعبد السلام برواري، النائب السابق في برلمان كردستان العراق.
يقول الأكاديمي والباحث في الشؤون السياسية برواري، في حوار خاص لـ"إرم نيوز": "المفارقة أن أربيل وطهران تجمعهما مليارات الدولارات من التبادل التجاري، لكن ذلك لم يمنع الصواريخ من السقوط، حيث تتذرع طهران بوجود معارضة كردية إيرانية في الإقليم". لكن هل هذه الذريعة حقيقية أم مجرد غطاء لأجندة أكبر؟
ومع انتهاء الحرب وبدء المفاوضات الأمريكية-الإيرانية، اليوم، في باكستان، هل سيبقى الإقليم رهينة الحسابات الإيرانية؟ وهل تدعم حكومة الإقليم المعارضة الكردية الإيرانية فعلاً؟
الإجابات لدى عبد السلام برواري، رئيس مركز دراسات الديمقراطية وحقوق الإنسان في كردستان العراق:
حقيقةً، العلاقة بين أربيل وطهران كانت ولا تزال جيدة جداً، والغريب أن هناك قنصليتين إيرانيتين، واحدة في أربيل وأخرى في السليمانية، وهناك تبادل تجاري يصل إلى مليارات الدولارات وزيارات متبادلة.
ولكن، دون أن يكون هناك سبب أو عمل منطلق من الإقليم يعطي مبرراً، فإن إيران منذ 2017 مستمرة في ضرب الإقليم بالصواريخ أو المسيّرات بحجة أو بأخرى؛ مرة بحجة تواجد إسرائيلي، ومرة بحجة ضرب مواقع المعارضة الإيرانية في الإقليم.
لكنني أعتقد أن العلاقة لن تتأثر رغم الألم الموجود هنا ورغم الغضب في الشارع، لأن الإقليم يتبع سياسة خارجية موزونة وعقلانية مبنية على الاحترام المتبادل والمصالح المتبادلة.
الإقليم لا يحتضن فصائل المعارضة الكردية الإيرانية، بل إن هؤلاء موجودون نتيجة للحرب الإيرانية ولحملة القمع التي تعرض لها الكرد بعد الثورة الإيرانية في 1979.
قبل عام، تم التوصل إلى اتفاق أمني بين الحكومتين العراقية والإيرانية لضبط الحدود وإبعاد أي مقر أو تواجد لهم قرب الحدود. والأهداف التي تم ضربها كانت معسكرات اللاجئين والعائلات.
علاقة أربيل مع هذه الفصائل، التي أعتبرها أحزاباً سياسية لها عائلاتها، علاقة جيدة منذ 1991. فبعكس حزب العمال الكردستاني "التركي" الذي لم يحترم خصوصية الإقليم، فإن الأحزاب الكردية الإيرانية تفهّمت الوضع وأعطت تعهداً بعدم القيام بأي عمل استفزازي عبر الحدود يعطي مبرراً للإيرانيين، والتزمت به.
قيادة الإقليم من صلاحياتها إدارة الإقليم. أما ما يجري في بغداد فهو شأن الأحزاب الكردستانية هناك؛ الحزب الديمقراطي الكردستاني وحزب الاتحاد الوطني الكردستاني. والسبب بسيط جداً: أولاً بالنسبة لوزارة الخارجية، فإن الديمقراطي الكردستاني يمتلك 29 مقعداً، وهناك 6 مقاعد أخرى حليفة له. وبحسب آليات توزيع المناصب في بغداد، يحق له أن تكون له وزارة سيادية ووزارة خدمية ووزارة أخرى.
لهذا السبب، كان منصب وزير الخارجية ووزير المالية دائماً من نصيب الحزب الديمقراطي الكردستاني، فهو لم يسعَ إليها أو يتشبث بها، بل هو استحقاقه الانتخابي.
أما بالنسبة لرئاسة الجمهورية، فهناك عُرف سياسي منذ 2005 بتخصيص منصب رئيس الجمهورية للكرد، ورئيس البرلمان للعرب السنّة، ورئيس الوزراء للكتلة الأكبر وهي عادةً كتلة شيعية.
نحن نقول إن هذا المنصب هو من نصيب الكرد، ولا يدّعي أي حزب - لا الديمقراطي الكردستاني ولا الاتحاد الوطني ولا أي حزب آخر - أن المنصب حكر عليه. صحيح أنه كان هناك سابقاً اتفاق بين الديمقراطي والوطني سُمّي بالاتفاق الاستراتيجي في 2007، يقضي بأن يكون أعلى منصب يحصل عليه الكرد في بغداد من نصيب الاتحاد الوطني، مقابل أن يقوم الاتحاد الوطني بتأييد مرشح الديمقراطي لرئاسة الإقليم، وأن ينزل الحزبان بقائمة واحدة في الانتخابات العراقية، ورئيس الوزراء في الإقليم يكون من حصة الفائز بالانتخابات.
لا أعتقد أن بغداد جادّة في كبح نفوذ الميليشيات، لأنها عاجزة أصلاً. وقد شاهدنا ميليشيات تهاجم مواقع عراقية حساسة أيضاً، وعندما تم القبض على بعض قتلة الصحفيين والدبلوماسيين، شاهدنا أن بعض الفصائل المسلحة توجّهت بقوة مسلحة وأسلحة ثقيلة إلى المقرات الحكومية والهيئات الأمنية وأطلقت سراح من ثبت كونه مجرماً.
لذلك، نرى أنه حتى بعد إيقاف القتال، يوم أمس، مثلاً الثالث أو الرابع بعد توقف القتال، تعرّضت كردستان لهجوم من قبل 5 مسيّرات تم إسقاطها.
للأسف الشديد، الكرد هم إقليم داخل دولة. أصلاً، العراق نفسه صوته غير مسموع في هذه المفاوضات. وإذا كان هناك تمثيل للعراقيين، فهو تمثيل إيراني للقوى الموالية لإيران ومراعاة مصالحها، كإصرار الإيرانيين على أن يشمل وقف إطلاق النار لبنان، وعلى ألا تتضمن أي اتفاقية يتم التوصل إليها أي إشارة للحد من نشاط الجهات الموالية لإيران. وكل ذلك طبعاً الكرد بعيد عنهم جداً.
مطلبنا صعب التحقيق، وهو أن الدولة الاتحادية في بغداد مسؤولة عن حماية أراضيها وحماية مواطنيها. لذلك، عليها أن تحاول على الأقل نشر المعلومات المتوفرة لديها حول الذين يقومون بإرسال المسيّرات إلى كردستان وقصفها بالصواريخ أو صواريخ "الكاتيوشا". أعتقد هذا كل ما يمكن للعراقيين القيام به.
ولكن طبيعة الحكومات منذ عادل عبد المهدي منذ 2018، ومع الأسف الشديد عدم اتفاق الشيعة على مرشح، جعلهم يرجعون إلى ظاهرة غريبة ومعادية للديمقراطية، وهي الإتيان بمرشح لرئاسة الوزراء ليست له قوة برلمانية، لأن الديمقراطية البرلمانية سحرها في أن الحاكم هو مرشح أكبر كتلة داخل البرلمان حتى يتمكن من تمرير سياساته.

لذلك، الحكومة العراقية أو العراق الرسمي أضعف من العراق غير الرسمي أو الدولة العميقة، التي يمثّلها حالياً تحالف الإطار التنسيقي الذي يضم سبع أو ثماني قوى مختلفة أيضاً فيما بينها، ولكنه مع الفصائل المسلحة، وهي بدورها منقسمة أيضاً، هو الذي يتحكم أكثر.
بالنسبة لي شخصياً، كانت النتيجة متوقعة، بسبب العلاقة المتينة التي تربط الاتحاد الوطني بالأحزاب الشيعية الموالية لإيران ومع إيران بالذات، وانقسام الأطراف الشيعية والسنّية أيضاً كان لصالح الجهة المرتبطة مع الاتحاد الوطني بتحالف، لذلك كان أمراً طبيعياً. كان الأفضل برأيي أن يتم سحب بقية المرشحين دون الدخول في مثل هذه الانتخابات التي كانت نتائجها شبه معلومة.
كنت أتمنى أن يتوصل الكرد فيما بينهم إلى اتفاق للإبقاء على عبد اللطيف رشيد لدورة ثانية، ولكن يبدو أن تلك المحاولة لم تكن لتنجح.
وفيما إذا كان هذا الانتخاب سيغير شيئاً أم لا، أعتقد لا أبداً، لأن منصب رئيس الجمهورية هو منصب سيادي فخري في العراق. النظام السياسي في العراق نظام برلماني، يعني رئيس الوزراء هو الحاكم الفعلي كما في الديمقراطيات الغربية الدستورية، والمنصب هو تشريفاتي. ولكن، بالتأكيد هو نصر معنوي للاتحاد الوطني.