تفرض الموازنة بين الضغطين العسكري والسياسي على ميليشيا "حزب الله" واقعًا جديدًا يضع مستقبل السلاح أمام احتمالات محدودة، في ظل تطويق الحزب بالكامل.
ووفق خبراء، فإن استمرار الضغوط بشقيها الداخلي والخارجي كشف عن فجوة واسعة بين "الإيديولوجيا الصلبة" التي ترهن قرار السلاح بالخارج، و"الواقعية السياسية" التي تفرضها استحقاقات المرحلة الثانية من خطة الجيش اللبناني.
وتشير هذه المعطيات إلى أن المشهد مقبل على تصعيد كبير، إذ لم يعد خيار المماطلة مجديًا أمام الإصرار على حصر السلاح بيد الدولة؛ ما يضع الحزب أمام أكبر معضلة في تاريخه: إما تقديم تنازلات ميدانية قاسية خلف نهر الأوّلي، أو مواجهة ضربة عسكرية كبرى تنهي بنيته التحتية ووجوده العسكري.
وفي هذا السياق، قال الخبير العسكري والاستراتيجي العميد المتقاعد خليل الجميّل، إن الموازنة بين الضغط العسكري والسياسي الممارس على حزب الله تُعد موضوعًا حساسًا ومعقدًا، كونه يتأثر بمجموعة من العوامل الداخلية والخارجية، ولذلك، فإنه في حال استمرار هذه الضغوط بشقيها، سيكون الحزب أمام عدة احتمالات ترتبط نتائجها بكيفية تفاعله معها.
وأضاف الجميّل لـ"إرم نيوز"، أن الاحتمال الأول يتعلق بتصعيد الضغوط العسكرية الإسرائيلية على حزب الله، بالتوازي مع الضغوط السياسية الداخلية والخارجية؛ ما قد يدفع الحزب إلى الانكفاء وفق استراتيجية متدرجة تبدأ بإنهاء تواجده العسكري في المنطقة الممتدة بين نهري الليطاني والأولي، والتي تمثل المرحلة الثانية من خطة الجيش لحصر السلاح، مع الاحتفاظ بسلاحه في باقي المناطق.
وأشار إلى أن هذا الاحتمال قد يكسب الحزب وقتًا إضافيًا، ويمنح الدولة اللبنانية "وفق رأي الحزب" ورقة قوة لإجبار إسرائيل على تقديم تنازلات مقابلة، أبرزها الالتزام بشروط اتفاق وقف إطلاق النار.
وأوضح الخبير أن هذا الاحتمال قد يكون الأقرب في ظل الظروف الحالية، فبموجبه يظهر الحزب كمن لم يتخلَّ عن سلاحه بالكامل تنفيذًا لمواقفه المعلنة، بينما يكون في الوقت ذاته قد "انحنى أمام الضغوط" ورضخ لقرارات الحكومة اللبنانية في منطقة محددة، مستدركًا أنه من غير المرجح أن يتخلى الحزب عن سلاحه أو قوته العسكرية دفعة واحدة.
وحول الاحتمال الثاني، بيّن أنه يتمثل في تحول الحزب إلى حزب سياسي بالكامل، ورغم أن هذا السيناريو قد يبدو بعيدًا في الوقت الراهن، فإنه يبقى احتمالًا واردًا، خاصة في حال حدوث تغيّرات غير متوقعة على الواقع السياسي اللبناني أو الإقليمي، لا سيما مع تصاعد احتمالات توجيه ضربة عسكرية أميركية لإيران، أو دفع طهران نحو مفاوضات تُقنعها بالتخلي عن دعم المجموعات المرتبطة بها.
ولفت إلى أن الحزب سيكون عندها أمام خيار التحول التدريجي إلى حزب سياسي-مدني يعتمد على الساحة السياسية فقط، وهو ما تدعو إليه الحكومة اللبنانية منذ اتخاذها قرار حصرية السلاح.
وأكد الجميّل أن هذا الاحتمال مرتبط بتغير موازين القوى الداخلية والإقليمية، وهو أمر يصعب التنبؤ به نظرًا لتعقيدات المشهد الحالي.
أما الاحتمال الثالث، فرجّح الخبير إمكانية أن يزيد حزب الله من تمسكه بقوته العسكرية المتبقية رغم الضغوط الخارجية التي يمارسها المجتمع الدولي، والضغوط الداخلية عبر الحكومة اللبنانية التي تصر على حصرية السلاح بيد المؤسسات الرسمية فقط، وأن يستمر الحزب في ممارسة ضبط النفس؛ لأن هذا السيناريو بالنسبة إليه أقل كلفة من أي تصعيد كبير أو حرب شاملة.
وذكر أن حزب الله يرى في استمرار امتلاكه للسلاح ضرورة لمواجهة التحديات الأمنية في ظل الاعتداءات اليومية عليه من قبل إسرائيل التي لم تلتزم بأي بند من بنود وقف إطلاق النار.

وبيّن الخبير العسكري والاستراتيجي، أن الحزب يكرر إعلانه عن إعادة ترميم قوته العسكرية، ويصرّح بأن تسليم السلاح في الظروف الراهنة أمر غير وارد إطلاقًا، مع تحصين موقفه ضد الضغوط الخارجية، محذرًا من أن تداعيات هذا الاحتمال ستكون معقدة، ولها تأثيرات كبيرة على المستويات العسكرية والسياسية والاجتماعية، وستزيد من تعميق الانقسامات الداخلية، وتؤدي إلى ضغط دولي متزايد وتداعيات خطيرة على الأمن الوطني.
واختتم حديثه بالإشارة إلى أن السيناريو الأكثر ترجيحًا هو أن حزب الله سيستمر في التمسك بسلاحه كجزء من استراتيجيته الدفاعية، مع اضطراره لتقليص نفوذه العسكري والتعاون مع الحكومة في المرحلة الثانية من خطة الجيش، لتجنب مواجهة تحديات وجودية.
وأضاف أن هذا الأمر يتطلب من الحزب اتخاذ قرارات صعبة توازن بين الحفاظ على قوته العسكرية من جهة، والتأقلم مع التحولات السياسية والعسكرية المتسارعة في لبنان والمنطقة من جهة ثانية.
من جانبه، قال الكاتب والمحلل السياسي رولاند خاطر إن الاعتقاد الذي كان سائدًا حول براغماتية النظام الإيراني وقيادة حزب الله وقدرتهما على تجنب الأزمات قد سقط فعليًا؛ إذ أثبتت حرب الإسناد وما تلاها من مواجهات أن التصلب الإيديولوجي للحزب يطغى على حساباته الواقعية؛ ما أدى إلى انزلاقه في تقديرات خاطئة.
وأضاف خاطر لـ"إرم نيوز" أن حزب الله بات أشد ارتباطًا بشخص الولي الفقيه آية الله علي خامنئي؛ ما يعني التبعية المباشرة له، وأن قرار الحزب وتوجهاته مرتبطان بالأجندة الإيرانية.
وحول مستقبل سلاح الحزب، رأى أن السيناريوهات المتوقعة محدودة، وهناك ثلاثة أطراف يمكن أن تسحبه: إما الدولة اللبنانية، أو أمر إيراني بإنهاء وظيفته، أو التدخل العسكري الإسرائيلي.
وأوضح خاطر أن الدولة اللبنانية لا تقوم بأي جهد في هذا الإطار خشية انقسام الجيش أو تفجير فتنة داخلية، في حين تواصل إيران استغلال أذرعها لتحسين أوراق تفاوضها مع الأمريكيين؛ ما يبقي الخيار الإسرائيلي هو الوحيد لإنهاء دور هذا السلاح.
وبيّن أن هناك قرارًا حاسمًا يربط بين الأمن القومي الإسرائيلي والمصالح الأميركية لإنهاء أذرع إيران في المنطقة، الأمر الذي يعزز بنسبة كبيرة سيناريو الضربة العسكرية المرتقبة التي قد تنهي وظيفة سلاح الحزب ومعظم قدراته الصاروخية بعد أن بات محاصرًا جغرافيًا وميدانيًا.
وفيما يخص إمكانية تحول الحزب إلى كيان سياسي، أشار إلى أن هذا الخيار منوط بقرار قيادته، رغم أن القاعدة الشعبية والبيئة الحاضنة لا تمانع هذا الانتقال، معربًا عن تخوفه من أن يحاول الحزب تعويض خسارته العسكرية بانتزاع امتيازات واسعة داخل النظام السياسي اللبناني؛ ما قد يؤدي إلى حالة من عدم الاستقرار الداخلي.
واختتم خاطر حديثه بالقول إن خطاب نعيم قاسم الأخير، الذي توعّد فيه بالرد في حال ضُربت إيران، يندرج ضمن "الدعاية" ورفع الروح المعنوية لبيئته أكثر من كونه واقعًا ميدانيًا؛ فالجمل التي استخدمها حول "انتظار الظروف" تعكس لعبًا بالمفردات ومحاولة لإخفاء حقيقة العجز عن المواجهة.
ورجّح أن يتعرض الحزب لضربة إسرائيلية قاصمة تكون الوسيلة الفعلية لنزع سلاحه، ليجد نفسه مضطرًا للانتقال إلى العمل السياسي للحفاظ على ما تبقى من مصالح وجوده داخل الدولة والبيئة اللبنانية.