في خضم الضغوط الدولية المتصاعدة على حكومة بورتسودان، تبدو تحركات عبدالفتاح البرهان أقرب إلى مناورة مرتبكة تهدف إلى البقاء في السلطة، أكثر من كونها خطة إصلاح حقيقية.
ورأى مراقبون أن قرارات الإقالات وإعادة ترتيب مراكز النفوذ تعكس حالة قلق متزايدة داخل قوات بورتسودان، ومحاولة عاجلة لاحتواء أي تهديد داخلي، خاصة في ظل تداعيات تصنيف جماعة الإخوان المسلمين منظمة إرهابية.
ويرى مراقبون أن هذه الخطوات تحمل طابعاً التفافياً واضحاً على الضغوط الدولية، إذ يسعى البرهان إلى إعادة توزيع النفوذ دون إحداث تغيير فعلي في بنية السلطة أو نهجها، مع استمرار الاعتماد على شخصيات مرتبطة بالتيار الإسلامي الراديكالي داخل مفاصل القرار.
وفي هذا السياق، قال الخبير في الشؤون الإستراتيجية والتخطيط، التوم الضي أزرق إن ما قام به الفريق عبدالفتاح البرهان من إقالات، يعد محاولة التفاف على قرارات المجتمع الدولي الأخيرة بشأن تصنيف الحركة الإسلامية وكتائبها "جماعات إرهابية" تشكل خطراً على السلم الدولي، في محاولة لمنع أي محاولة انقلاب محتملة.
وأضاف أزرق لـ"إرم نيوز" أن البرهان يسعى إلى تشكيل وضع سياسي جديد يهدف إلى تثبيت سلطته الحالية، من خلال الإقالات وتعيين الولاءات كنوع من الاستجابة الضرورية ضد أي انقلابات ينفذها الأقل ولاءاً لديه.
وأشار إلى أن التغيرات الجديدة في حكومة البرهان إلى جانب التحصين من الانقلابات، تمثل محاولة للتحايل وتجاوز الضغوط الأمريكية، مؤكداً أنه يمكن اعتبارها التفافاً واضحاً على مطالب الشعب السوداني وأهداف الثورة المجيدة، لا سيما أن البرهان يراوغ مع الاستمرار في تعيينات التيار الإسلامي السوداني في معاقل القرار.
واعتبر أن خطوات البرهان الجديدة، بما فيها تغييرات القيادة العسكرية، تشمل شخصيات من تنظيم الإخوان المسلمين في السودان، الذين أشعلوا هذه الحرب، وحرضوا على استخدام السلاح المحرم دولياً، ومن المحتمل أن ينقلبوا عليه في أي ظرف ممكن إذا حاول أن يسير في خطى أي هدنة محتملة.
واختتم أزرق حديثه بالتأكيد على أن هذه التحركات ليست سوى محاولات لتثبيت شرعية البرهان في ظل أزمة سياسية وعسكرية مستمرة، خاصة في ظل شعوره بالخطر جراء الضغوط العسكرية التي يتعرض لها.
ومن جانبه، قال الكاتب والمحلل السياسي، عمار سعيد إن قرارات عبد الفتاح البرهان الأخيرة بإلغاء بعض المناصب وإعادة هيكلة مراكز النفوذ داخل المؤسسة العسكرية تبدو أقرب إلى خطوة محسوبة ضمن إستراتيجية أوسع لإعادة ترتيب السلطة، وليست مجرد إصلاح إداري عابر.
وأضاف سعيد لـ"إرم نيوز" أن هذه التحركات تأتي في إطار ما يُعرف بإستراتيجيات "منع الانقلاب"، حيث تسعى القيادة إلى تفكيك مراكز النفوذ المستقلة، ومنع تركز القوة في يد شخصيات بعينها، وتقليص فرص نشوء شبكات ولاء داخل المؤسسة العسكرية قد تتحول إلى تهديد مباشر.
وأشار إلى أن تسريع وتيرة التغييرات في القيادات، وإعادة توزيع الصلاحيات، يعكس توجهاً نحو خلق حالة من التوازن الحذر داخل المؤسسة، بحيث لا يمتلك أي طرف القدرة الكافية للتحرك منفرداً، لافتاً إلى أن هذا التوجه يكتسب أهمية إضافية في ظل تجربة قوات الدعم السريع، التي مثلت نموذجاً واضحاً لخطر القوى الموازية خارج السيطرة المركزية.
واعتبر أن هذا المسار لم يتشكل دفعة واحدة، بل جاء عبر تدرج واضح، بدءاً من مرحلة ما بعد الثورة السودانية 2019، حيث تعددت مراكز القرار، مروراً بما بعد انقلاب السودان 2021، الذي أعاد تركيز السلطة داخل المكون العسكري، وصولاً إلى مرحلة ما بعد اندلاع الحرب التي فرضت ضرورة إعادة تعريف من يملك القوة فعلياً داخل الدولة.
وأكد سعيد أن هذه الإجراءات رغم أهميتها لا توفر حصانة مطلقة من الانقلابات، فالتاريخ السياسي يبين أن تقليص مراكز القوة قد يحد من المخاطر، لكنه لا يلغيها، بل قد يدفع بعض الأطراف المهمشة إلى البحث عن وسائل بديلة للنفوذ، لافتاً إلى أن استمرار الحرب يخلق واقعاً ميدانياً معقداً، يُنتج قادة يمتلكون نفوذاً فعلياً على الأرض، وهو ما قد يتجاوز، أحياناً، الترتيبات الإدارية المركزية.
واختتم سعيد حديثه بالقول إن البرهان لا يضمن بهذه الخطوات حماية كاملة لنفسه، لكنه يعمل على رفع كلفة أي محاولة انقلابية وجعلها أكثر صعوبة وتعقيداً، مشيراً إلى أنها سياسة تقوم على ضبط التوازنات الداخلية، وإعادة هندسة القوة في دولة لا يزال الصراع فيها يدور حول من يملك السيطرة، ومن يستطيع الاحتفاظ بها.