يتصاعد النشاط الجوي الإسرائيلي في جنوبي لبنان بالتزامن مع إعلان الجيش اللبناني تقدمه وبسط سيطرته جنوب نهر الليطاني؛ ما يعطي للتطورات بعدا سياسيا ويختبر قدرة الدولة على تثبيت سيطرتها.
وقال مصدر دبلوماسي أمريكي لـ"إرم نيوز" إن التصعيد الإسرائيلي رسالة سياسية قصيرة المدى لإعادة ملف السلاح غير الخاضع للدولة إلى الواجهة، وليس تمهيدا لحرب شاملة.
وأضاف المصدر أن الإدارة الأمريكية لا ترى في المرحلة الحالية قرارا إسرائيليا بالذهاب إلى حرب واسعة مع لبنان، ويشير إلى أن كلفة الحرب الشاملة ما زالت مرتفعة سياسيا وعسكريا.
وبحسب المصدر، الرسالة الأساسية التي تريد إسرائيل إيصالها خلال هذه الأيام تتعلّق بحدود الصبر على إدارة ملف السلاح عبر التفاهمات والوساطات. بينما التصعيد، كما يُنظر إليه في واشنطن، يهدف إلى فرض واقع يقول إن أي تهدئة مستقبلية ستبقى هشّة طالما لم يُحسم ملف السلاح غير الشرعي.
ولفت إلى أن الولايات المتحدة تميّز بين الضغط العسكري المحدود وبين الذهاب إلى مواجهة شاملة، ويؤكد أن واشنطن لا تعمل على تغطية حرب واسعة، لكنها في الوقت نفسه لن تمنع إسرائيل من مواصلة الضغط طالما بقي الجنوب مساحة مفتوحة على قرار أمني مزدوج.
فيما أعلنت تقارير ميدانية أن القوات الإسرائيلية شنّت أكثر من 40 غارة جوية على جنوبي لبنان شمال نهر الليطاني خلال الأيام الأخيرة، بما في ذلك مناطق مثل كفر حتا، جباع، والمحمودية، مع إنذارات إخلاء لسكان في بعض المواقع قبل القصف. هذا الكم من الاستهداف يدل على تكثيف العمليات داخل مساحة جغرافية تتغيّر دينامياتها الأمنية بشكل سريع.
وفي موازاة تصعيد الغارات، تواصل السلطات اللبنانية الإعلان عن تقدّمها في خطة نزع السلاح خارج سلطة الدولة في مناطق الجنوب، معلنة تحقيق "سيطرة عملية" في المناطق جنوب نهر الليطاني مع الاستمرار في المرحلة التالية من الخطة. هذا الإعلان الرسمي أُصدر في وقت تكثّفت فيه الضربات في الجبهة نفسها؛ ما يعزّز ارتباط التحركين سياقيا في اللحظة الراهنة.
من جانبه يقدّم مصدر دبلوماسي غربي توصيفاً واضحاً للمنطق الحاكم للموقف الدولي. فالتقييم وفق ما تحدث به المصدر لـ"إرم نيوز"، يدور حول نتائج قابلة للقياس على الأرض. فالنظر إلى الجنوب بات مقياسا لاحتكار الدولة لاستخدام القوة، حيث ترى العواصم الغربية المعنية بالملف اللبناني أن أي وجود مسلح خارج هذا الإطار يُضعف تلقائياً فرص التهدئة والاستقرار، ويقوّض أي استثمار سياسي أو اقتصادي لاحق في لبنان.
بينما رفضت مصادر سياسية لبنانية معنية بالملف الأمني توصيف التصعيد الإسرائيلي كأمر واقع مقبول، وتؤكد أن بيروت لا تنظر إلى الغارات باعتبارها أداة ضغط مشروعة، معتبرة أنها تمثل عامل تقويض مباشر للاستقرار ومحاولة لفرض إيقاع أمني من خارج الدولة.
المصادر شددت في تصريحات لـ"إرم نيوز" على أن الدولة اللبنانية غير راضية عن هذا المسار، وتعتبره خرقا واضحا لترتيبات قائمة، حتى مع إدراكها لحساسية ملف السلاح.
وأوضحت أن تحرّك الدولة في ملف السلاح لم يأتِ تحت النار، وإنما سيستمر كجزء من مسار داخلي مدروس يهدف إلى تثبيت احتكار الدولة للقوة بشكل تدريجي ومسؤول.
وبحسب المصادر، فإن بيروت ترفض منطق فرض الوقائع بالقوة، لكنها في الوقت نفسه لا تستطيع تجاهل أن استمرار الوضع القائم يضعف قدرتها على حماية الجنوب وعلى حشد دعم دولي فعّال.
وختمت المصادر بالتأكيد أن لبنان لا يريد حربا، ولا يرى مصلحة لأي طرف في حرب شاملة، لكن استمرار الضغط العسكري في ظل غياب حل جذري لملف السلاح يبقي البلاد في منطقة خطر مفتوحة، حيث يمكن لأي خطأ أو حادث أن يدفع الأمور إلى مسار لا يريده أحد.
من ناحيته، يشير الباحث في شؤون الأمن والسياسة في منطقة الشرق الأوسط، توماس ريد، إلى أن التصعيد لا يتصل بمحاولات ضغط تفاوضي، ولا يدخل في إطار الرسائل المتبادلة التقليدية، إنما يرتبط بفكرة أبسط وأكثر قسوة، وهي أن الجنوب قد تحوّل إلى مساحة غير مكتملة من حيث السيطرة الفعلية.
وأوضح ريد لـ"إرم نيوز" أن الغارات الأخيرة تعكس تشكيكا عمليا بقدرة الدولة اللبنانية على إنتاج وضع أمني مغلق، لافتاً إلى أن النقاش الغربي يتركّز حاليا على سبب التصعيد ونتائجه العملية في ملف نزع السلاح.
ويلفت ريد إلى أن ما يهم العواصم الغربية في هذه المرحلة هو ما إذا كانت الدولة اللبنانية قادرة على تثبيت واقع أمني مستقر تحت الضغط. "هذا العامل وحده سيحدد شكل التعامل معها خلال الفترة المقبلة، سواء على مستوى الدعم أو على مستوى الموقف السياسي العام".
ويعتبر أن الجنوب تحوّل إلى ساحة قياس مباشرة لقدرة الدولة على فرض مرجعية أمنية واحدة. هذا القياس بات يتم عبر تطور الأحداث، معتبرا أن ذلك سيستمر خلال الأيام المقبلة؛ من أجل اختبار ما إذا كانت الدولة قادرة على تقليص هامش الاختراق، أو إن كانت ستبقى في موقع رد الفعل أمام واقع أمني غير محسوم.
المحلل السياسي اللبناني، رامي الحاج، قال لـ"إرم نيوز" إن المشكلة الأساسية لم تعد مرتبطة باحتمال الحرب المفتوحة من قبل إسرائيل وإنما تتمثل باستمرار الوضع الأمني غير المحسوم. "الجنوب، يدفع ثمنا يوميا لسلاح حزب الله عبر تعطيل فكرة الاستقرار نفسها".
ولفت إلى أن التصعيد الأخير أعاد كشف معضلة وجود القرار الأمني خارج مؤسسات الدولة، معتبرا أن الحكومة وإن أعلنت انتشارا وتقدّما، لكن الواقع الميداني بقي قابلا للاختراق. هذا التناقض، كما يقول، يضرب ثقة الداخل بإمكانية بناء استقرار طويل.
ومن وجهة نظره، فإن إنهاء السلاح خارج الدولة بات ضرورة اجتماعية ومسألة سيادية على حد سواء. "أي حديث عن تنمية، أو عودة استثمار، أو استقرار سياسي، يبقى فارغا طالما بقي الأمن قرارا مزدوجا".