logo
منوعات

اليقظة الذهنية.. بين الشعبية العالمية والارتباك العلمي

تعبيرية المصدر: istock

على مدى العقدين الماضيين، تحوّل مفهوم اليقظة الذهنية إلى ظاهرة عالمية لافتة، بعدما خرج من نطاق الممارسات التأملية المحدودة ليصبح جزءًا من الحياة اليومية في أماكن العمل والمدارس والبرامج الرياضية، وحتى في المؤسسات العسكرية، مدفوعًا بتزايد الاهتمام بالصحة النفسية وإدارة التوتر.

غير أن هذا الانتشار الواسع يخفي خلفه إشكالية أساسية، إذ لا يزال الباحثون والأطباء والمعلمون يختلفون حول تعريف اليقظة الذهنية بدقة، فضلًا عن كيفية قياسها علميًّا. 

ويعود هذا الخلاف إلى اختلاف الزوايا التي ينظر منها الباحثون إلى اليقظة الذهنية. فبعض الدراسات تركّز على مهارة الانتباه والتركيز في اللحظة الحالية، بينما تركز دراسات أخرى على تنظيم المشاعر والحفاظ على الهدوء في الظروف الضاغطة.

أخبار ذات علاقة

اليقظة الذهنية

كيف تمارس اليقظة الذهنية في تفاصيل حياتك اليومية؟

تكييف الممارسات

 وتذهب أبحاث ثالثة إلى اعتبار التعاطف مع الذات جوهر الممارسة، في حين تضيف مقاربات أحدث بُعد الوعي الأخلاقي واتخاذ قرارات أكثر حكمة ومسؤولية.

وتعود جذور اليقظة الذهنية إلى تقاليد تأملية آسيوية عريقة، أبرزها البوذية والهندوسية والجاينية والسيخية. ففي البوذية، يؤكد نص “ساتيباثانا سوتا” على المراقبة الدقيقة للجسد والعقل لحظة بلحظة.

وفي الهندوسية، يركّز مفهوم “ديانا” على تنمية التركيز عبر التنفس أو الترديد، بينما تسعى ممارسة “ساماياكا” في الجاينية إلى تحقيق توازن هادئ تجاه جميع الكائنات. أما في السيخية، فيقوم مفهوم “سيمران” على التذكر المستمر الذي يذيب التركيز على الذات في وعي أوسع بالواقع.

وفي أواخر القرن العشرين، بدأ معلمون وأطباء في تكييف هذه الممارسات لتناسب السياقات الحديثة والعلمانية، ولا سيما من خلال برامج الحد من التوتر القائمة على اليقظة الذهنية، قبل أن تنتقل إلى مجالات علم النفس والطب والتعليم، وصولًا إلى برامج الصحة المؤسسية.

ويرى باحثون، من بينهم جون دان من جامعة ويسكونسن-ماديسون، أن اليقظة الذهنية ليست مفهومًا واحدًا جامدًا، بل مجموعة من الممارسات المترابطة التي تشكّلت عبر سياقات ثقافية وتاريخية مختلفة.

ويشرح أن هذا التعدد يفسر سبب اختلاف التعريفات والنتائج، سواء في البحث العلمي أو في التجربة الفردية.

أخبار ذات علاقة

"اليقظة الذهنية" تجعل صحتك أفضل

تحسين التركيز

وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة على المستويين الفردي والمؤسسي. فبرنامج اليقظة الذهنية المصمم لتقليل التوتر في المدارس أو المستشفيات يختلف جذريًّا عن برنامج يهدف إلى تعزيز التعاطف أو الوعي الأخلاقي. ومن دون وضوح في الأهداف، قد يصعب على المعلمين والأطباء وأرباب العمل اختيار النهج الأنسب.

ورغم الجدل القائم، تُظهر الأبحاث أن أشكال اليقظة الذهنية المختلفة تحقق فوائد متعددة. فالممارسات التي تعزز الانتباه ترتبط بتحسين التركيز والأداء المهني، بينما تساعد المناهج القائمة على التقبّل في إدارة القلق والألم المزمن.

كما تسهم المقاربات التي تركز على التعاطف في تعزيز المرونة النفسية، في حين قد يدعم الوعي الأخلاقي سلوكًا اجتماعيًّا أكثر إيجابية ومسؤولية. 
 
 

logo
تابعونا على
جميع الحقوق محفوظة © 2026 شركة إرم ميديا - Erem Media FZ LLC